على مدار أكثر من30 عامًا تنقّل بين الصحافة الورقية والرقمية والإعلام المرئي، جامعًا بين العمل المهني والدراسة الأكاديمية. شغل العديد من المناصب التحريرية والإدارية في مؤسسات صحفية وإعلامية داخل مصر وخارجها، وأسهم في تدريب أجيال من الصحفيين والإعلاميين، إلى جانب نشاطه في مجالات النقد الأدبي والبحث الأكاديمي.
حصل الدكتور رحاب الدين الهواري على الدكتوراه المهنية في الإعلام عن موضوع التنمية المستدامة في الصحف المصرية الخاصة، وله إسهامات متنوعة في الصحافة الثقافية وإعداد الأفلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية، فضلًا عن تأليف عدد من الكتب في القصة والتراث والحوارات الصحفية. في هذا الحوار نتعرف على أبرز محطات رحلته المهنية والفكرية، ورؤيته لمستقبل الصحافة والإعلام في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
سألناه ليقدم لنا روشتة لبقاء مهنة الصحافة وبقاء دورها الذى يساهم في تنوير الرأي العام وتوجيهه نحو الأصوب في ظل سيل امن مواقع وصحافة “بير السلم” التي أفقدت المهنة جزءا من أهميتها على يد غير المتخصصين . … وإلى نص الحوار ..
• كيف يمكن أن نهذب السوشيال ميديا إن جاز لنا التعبير، فلا تأتي على سمعة فلان بالباطل أو لا نتحقق من معلومات عن فلان ولا تتسرع في الكتابة دون تدقيق؟
** إذا كنت تخاطب الجمهور أو المتلقي العادي فالأمر يكاد يكون مستحيل، أما إذا كنت تتحدث عن الفئة المرتبطة بالميديا وبالإعلام والصحافة، فمؤخراً ظهر ما يسمى ب “مجتمع التحقق العربي ” وهو منصة للتحقق من الأخبار الزائفة، وقام بعمل دورة في مصر. الغرض منها مساعدة المتعاملين في الميديا من كشف الكذب في وسائل الاعلام.
ولكن لو رجعنا للسوشيال ميديا ستجد في اليوم الواحد ينشر حوالى 2000 خبر زائف ومثلهم صور زائفة و فيديوهات ، فكيف ستتحقق منهم إذا كانوا يسيروا على ألسنة العامة و نحن كمجتمع للسوشيال ميديا إلى حد ما لن أقول تافه ولكن أغلبه تافه بدليل إن موقع أو منصة مثل منتدى فتكات هي الأكثر زيارة على مستوى العالم من حوالي 5 أو 6 سنين، و هي المتخصصة في المكياج ودكتور النسا والتوليد المشهور في الإسكندرية وأشهر دكتور تجميل أين ؟ ، فكل ما يشغل المرأة من تفاهات من وجهة نظر الصحافة ومن وجهة نظر الرجل فهذ ا المجتمع الخاص ب “فتكات” هو رقم واحد في تحقيق الزيارات والمشاهدات ويسبق حتى المنصات الحقيقية يعني يسبق الفيسبوك وتويتر واليوتيوب حتى في البحث.
وعلى الرغم من قيامي بتدريس مادة وسائل السوشيال ميديا في الجامعة الأمريكية، ما ندرسه في الجامعات يختلف تمامًا عن السوشيال ميديا الشائعة التي أصبحت تضع “زينب وأحمد ” البلوجرز في مقدمة التصفح، وعلى التيك توك بمثل هذه الفيديوهات التافهة بالرغم من تحقيقها ما بين 60 و70 مليون زيارة.
يعني بمثال بسيط زينب وأحمد سنة 2022 دفعا ضرائب 53 مليون جنيه عن عامين من المشاهدات.. تخيل أرباحهم كم كانت ليدفعوا تلك الملايين ضرائب عليها في عامين؟ بكم من التفاهات والغثاء الذي يستحي عاقل إنه يرى فيديو واحد منهم.
فما ندرسه في الجامعات، هو من باب المنطق أنك كيف تتحقق من المعلومة؟ والقانون الذي تم به اغلاق عدد من تلك القنوات التافهة يجب أن يكون مفعلا طوال الوقت في غلق كل تلك البوابات والبلاعات التي من الممكن أن تصيب المجتمع العربي كله وليس المصري فقط في مقتل.
• هل ترى أن الصحافة الورقية في مصر والعالم العربي قادرة على بقاء أم انتهت كما يقولون بفعل صحافة الديجيتال؟
** في القريب العاجل جدًا إن لم تكن هناك صحوة في شكل الكتابة الورقية وفي شكل الصحافة الورقية ستؤول إلى زوال قبل أقل من 10 سنوات ستجد أكثر من نصف الصحف الموجودة على الساحة الصحفية العربية ستتوقف عن الطباعة.
والتطور من وجهة نظري إنه لم يعد هناك اعتماد على الخبر في الصحافة الورقية، و إذا رجعنا إلى فكرة قام بها إبراهيم عيسى من سنوات بعنوان “المقال”، كان عنده جريدة اسمها “المقال” هذا الجورنال الورقي الذي صنع حالة حراك في الصحافة الورقية بشكل غير عادي رغم اعتماده على الكتابة والتحليل، أعتقد الأيام القادمة إذا أردنا الحفاظ على الصحافة الورقية يمكن أن تعتمد على مثل هذا النوع من الكتابة المختلفة غير الخبرية. أيا كانت الموضوعات كل في تخصصه.. لكن ما وراء الخبر هو الأجدر بتحقيق الاستمرارية بالصحافة الورقية.
• رسالتك للدكتوراه كانت عن الصحافة، هل تجد أن دراسة الصحافة للأجيال القادمة ستوفر لهم حياة كريمة؟ أم انتهت وظيفة الصحفي في ظل الذكاء الاصطناعي؟
** أعتقد إننا يمكنا القول بشكل ما إن كليات الإعلام لابد أن تعتمد مادة الذكاء الاصطناعي مادة أساسية لدراسة الصحافة والإعلام.. من لم يفعل هذا فهو يحكم على نفسه حكم الموت المسبق.
• هل ممكن أن يقضي الذكاء الاصطناعي على وظيفة الصحفي؟
** أعتقد أن الصحفي التقليدي لن يجد له مكان في أي مؤسسة حتى وإن ظلت ورقية لسنوات قادمة، ولن تتطور مؤسسة تعتمد على صحفي لا يزال يعمل بعقلية “قال، وأضاف، وأوضح، وكشف”، وما اعتدنا عليه من صحافة تقليدية قبل عشرة سنين.
• كيف يمكنك بناء موقع صحفي مغاير يحترم الآخر ويقبل عليه جمهور الميديا،؟ أعطنا الوصفة..
** الوصفة باختصار شديد ربما قلتها في إجابات الأسئلة السابقة وهي أن يعتمد هذا الموقع على الرؤية البصرية السريعة على الوسائل الحديثة على البودكاست على اللايفات من الشارع على أن تتحول الكلمة إلى صورة أو إلى فيديو مرئي لأننا أصبحنا في عصر السرعة أصبحنا في عصر باتت فيه القراءة وهماً كنا نبحث عنه في السابق، وهماً حميداً كنا نبحث عنه، الرهان الآن على القارئ ولكن أي قارئ نراهن عليه؟
إذا كنت بصدد إنشاء أو تدشين موقع، السؤال الأول الذي يجب أن تسأله وأنت بصدد إنشاء موقع، من هو الجمهور المستهدف؟ سياستك التحريرية قابلة للتغيير يعني بعض الناس يقول أنا “هعمل” موقع زراعي، عظيم جداً.. يجوز إن المواقع المتخصصة مستقبلها قادم ولكن إذا كنت متخصصاً لأقصى حد، يمكن أن تكون موقع زراعي فقط، موقع طبي فقط ومع ذلك الزيارات والأرباح لا تحصى لأنك راهنت على فئة مستهدفة وتعرف من هم المتابعين الحقيقيين ليك.
فإذا كنت بصدد إنشاء موقع عام، سنتكلم فيه عن السياسة والاقتصاد والرياضة والفن والموسيقى وما إلى ذلك، تقليل عدد المحررين لتقليل التكلفة المادية بمعنى أن يكون كل محرر قادر على إنتاج مادة خالصة خاصة بموقعه لا تتكرر، ف جوجل لم تعد تنطلي عليه فكرة الكوبي والبست، ولم تعد تنطلي عليه حتى الموضوعات المخلقة بال A .. للأسف إن لم يكن وراءها صحفي عبقري وصحفي مبدع لن تستفيد من تقنيات الـ AI، وأعتقد هناك بعض المتخصصين والكتاب المبدعين يستطيعون عمل موقع كامل بالـ AI بشخصه فقط حتى لو سينشر في اليوم الواحد 3-4 موضوعات باستخدام الـ AI ولكن يضيف لها من روحه ومن إبداعه بحيث تبدو على جوجل كأنها تنشر للمرة الأولى.. ولكن يجب أن يكون الأساس صحيح ويكون هناك صحفي حقيقي كي يستطيع أن يطوع هذه الإمكانيات.
• جمهور الميديا كيف تراه؟ أهو صاحب عقل أم هي مجتمعات اللايك دون تفكير وقطيع الإنترنت؟
**جمهور الميديا مثل أي جمهور، بهم الصالح والطالح.. المستنير والمنغلق على ذاته، وبهم أصحاب اللايك دون تفكير ومن يضن بحركة إصبعه حتى على المقالات المحترمة قبل أن يقرأها.
فجمهور الميديا يجب دراسته.. فمجتمعك المستفيد مما تقدمه هو من أهم النقاط التي يجب أن تتعرف عليها قبل ما تبدأ عمل مشروعك أياً كان هذا المشروع. فالجمهور المستهدف من الميديا كما قلت لحضرتك في البداية فيهم الصالح والطالح، منهم هواة متابعة منصة فتكات ومنهم هواة الـ BBC ومنهم من ينتظر تحليلات سكاي نيوز.. فكل ألوان الطيف موجودة في الجمهور ولكن الوجبة التي ستقدم للجمهور هي التي ستجبر أياً منهم إلى التوجه ناحية منتجك.


