هل كانت حركة حمـاس تُدرك تمامًا حجم الردّ الغربي، والإسرائيلي، والأميركي حين قررت تنفيذ هجوم 7 أكتوبر؟ سؤال مفتوح تتقاطع فيه السياسة بالعسكرية وبالحسابات الاستراتيجية، لأنّ العملية لم تكن مجرد هجوم مفاجِئ أو اختراق أمني غير مسبوق، بل كانت اختبارًا قاسيًا لمنظومة الأمن الإسرائيلية، ولتوازنات القوى في المنطقة، ولمدى استعداد العالم لتحمّل هزّة بهذا الحجم.
لقد بدا ـ منذ الساعات الأولى ـ أن قيادة الحركة كانت تتحرك ضمن قراءة خاصة للواقع الإقليمي والدولي. قراءة قد تكون بنتها على أساس التغيرات العميقة في المنطقة، من حالة التطبيع المتسارعة، إلى تراجع أولوية القضية الفلسطينية في الأجندة الدولية، إلى شعور الحركة بأن ميزان الردع تغيّر، وأن الوقت قد حان لإعادة رسم قواعد الاشتباك. لكن السؤال الجوهري يبقى: هل كانت حماس تتوقع فعلًا ردًا إسرائيليًا بهذه القوة والاتساع، يتجاوز غزة ليطال شكل الإقليم السياسي نفسه، ويعيد إنتاج خريطة التحالفات والمواقف؟
لقد أثبتت الأحداث اللاحقة أن الرد الإسرائيلي لم يكن ردًا عسكريًا فقط، بل كان ردًا إستراتيجيًا شاملًا، استثمر فيه الاحتلال دعمًا غربيًا غير محدود، واصطفافًا أميركيًا ظاهرًا، تُرجم بحاملات الطائرات، والجسور الجوية، والفيتو السياسي على كل محاولة لوقف الحرب. هنا يبرز تساؤل آخر: هل كانت الحركة تتوقع هذا الانحياز المعلن؟ أم أنّ حساباتها كانت تقوم على أن حجم الصدمة سيُربك المشهد، ويخرج الشارع العربي والغربي في موجة تضامن تضغط على الحكومات وتحدّ من سقف الرد؟
لا شك أن حماس كانت تراهن على عنصر المفاجأة، وعلى أنّ الضربة ستكشف هشاشة المنظومة الأمنية الإسرائيلية، وتؤدي إلى تآكل الثقة السياسية داخل إسرائيل، وربما إلى خلافات داخلية تطيل أمد الارتباك. وربما كانت الحركة تعتقد أن الإقليم ـ بوضعه الملتهب ـ لن يسمح بانفجار حرب طويلة، وأن قواعد اللعبة الجديدة التي نشأت مع تعدد القوى الإقليمية الفاعلة ستفرض نوعًا من التوازن يمنع إسرائيل من الذهاب بعيدًا.
لكن حسابات الميدان كانت تختلف جذريًا عن حسابات السياسة الدولية. إذ سرعان ما ظهر أن القوى الكبرى لا تنظر إلى العملية كحدث أمني فقط، بل كاختبار لمصداقيتها ومصالحها ومكانتها الجيوسياسية. ولهذا جاء الرد الإسرائيلي والغربي والأميركي بحجم يعكس خوفًا من تغيّر قواعد اللعبة أكثر مما يعكس ردًا على العملية ذاتها.
اليوم، وبعد مرور شهور على العملية، ما يزال النقاش مفتوحًا بشأن: هل كانت حماس تعي تمامًا حجم الموجة التي ستطلقها؟ أم أن الحركة سعت ـ بقصد أو بغير قصد ـ إلى إعادة وضع القضية الفلسطينية في قلب الاهتمام العالمي مهما كانت الكلفة؟ المؤكد أن عملية 7 أكتوبر صنعت شرخًا كبيرًا بين منطق الحسابات العسكرية وحسابات السياسة الدولية، وأن تداعياتها ما تزال تتشكل ببطء، وقد تبقى موضوعًا للنقاش والتحليل لعقود طويلة قادمة.
د. عابد حميان
جامعة وهران 1


