في فاعليات «تهافت الفكر الإلحادي» قلل الشيخ الدكتور بندر الشويقي من ظهور الإلحاد في المجتمع السعودي، وقلل من عدد الملحدين وشأنهم (أثرهم)، وفسر هذا الاهتمام الواسع بهذا العدد القليل ذي الشأن اليسير بأن سبب ذلك هو ظهورهم في مجتمع محافظ.. كأنهم خرق لاجتماع إيماني، وختم بأن المجتمع في أمان من الإلحاد. فهل هذا صحيح؟!
الحقيقة أن الظواهر الاجتماعية لا تقرأ من زاوية الكم فقط، وإنما من المتغيرات التي تعمل فيها ومن خلالها. وإن ظهور الإلحاد وإعلانه عن نفسه في مجتمع محافظ أمارة على أن تحته قاعدة هرم كبيرة مما هو دون الإلحاد من الفسوق والعصيان في المعتقد أو في السلوك، فالظواهر الاجتماعية متداخلة، وتقرأ كل ظاهرة في سياقها، لا أنها تقرأ منفصلة وكأنها لم تولد من غيرها. فلابد أولًا من استكشاف السياق الذي أفرز الظاهرة، ومن ثم تدعمه الظاهرة.
إن الإلحاد يهون من الخطاب- والسلوك- الأقل تطرفًا، فبالأمس القريب كان المجتمع المحافظ يرمي د. سلمان العودة والعواجي بِيَدين، ويعتبرهما حالة من الانحراف. والآن بعد ظهور الإلحاد أصبح سلمان والعواجي من المحافظين المدافعين عن حمى الدين، المجتمع يتحرك في اتجاه الانحلال كما تحركت المجتمعات الغربية ذاتها من المحافظة للانحلال، بمعنى أن الإلحاد هنا يؤدي وظيفة أخرى، وهي التهوين من شأن الانحرافات الأقل (الفسوق والعصيان)، فالساحة الفكرية دائمًا ثلاثية: طرفان ووسط، والناس بطبعهم يميلون لمن يتوسط وإن كان مخطئًا. وإن وسط اليوم كان مرفوضًا بالأمس، وإن متطرف اليوم قد يكون معتدلًا غدًا.. من يدري؟؟ [انظر للكاتب مقال: البعد الغائب في الطرح المتطرف].
وظيفة الإلحاد المعاصر هو تمرير التحولات الاجتماعية من الفضيلة للرذيلة.. تمامًا كما حدث في الغرب. ونظريًا، قد يتمكن الملحدون، فالحضارة الغربية جادة في توطين ثقافتها وقد اجتاحت مجتمعات كثيرة.


