نحن الكائنات الوحيدة تقريبا التي تمشي منتصبة القامة مرفوعة الهامة بشكل كامل..
خصيصة بيولوجية فارقة ميّزت الإنسان عن كثير من المخلوقات.
المشكلة ليست في هذا الارتفاع ولكنه حين يكون ارتفاع صلفٍ وعناد فهنا يبدأ الخلل.
هذا العمود الفقري المفرود لم يمنحنا السيادة لكنه أوهمنا بها.
ننظر إلى بقية المخلوقات المنحنية على أربع ونظن أننا مركز الكون لمجرد أننا نستطيع توجيه أنظارنا نحو السماء متى شئنا.
الاعتياد على هذه الهيئة جعل فكرة الانحناء ثقيلة ومرفوضة في أعماق كثير من الخلق.
وأولئك لا ينحنون طوعًا…
فقط تُسقطهم الهزائم، أو تكسرهم قسوة الأيام.
وفي خضم هذا الغرور البشري المتسلل من هيئة الجسد تزيح سورة الحج الستار عن المشهد الحقيقي للوجود.
الوجود الساجد..
مشهد يعرض أمامك أوسع وأشمل سجدة مسجلة في تاريخ الكون.
“أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ”
استعراض كوني هائل يقطع الأنفاس.
الشمس التي أحرق البشر أجيالاً في طقوس عبادتها تسجد الآن بخضوع.
الجبال التي ترمز في قواميسنا للثبات المنيع والشموخ تنحني في صمت مطلق.
النجوم التي يهتدي بها السراة في الليل الطويل تؤدي طقس عبوديتها بخشوع تام.
سكان السماوات السبع والأجرام التي نعلم والتي لا نعلم ودواب الأرض بمختلف أحجامها وأنواعها..
كيانات هائلة الكتلة تمتلك إدراكاً فطرياً يدفعها للانطراح طوعاً بين يدي من أوجدها.
ووسط هذا الإجماع الكوني المذهل، ينكسر الإيقاع فجأة.
يظهر الكائن الهش الممنوح حرية الاختيار ليصنع النشاز الوحيد في هذه المنظومة الكونية المتناغمة بالسجود.
“وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ”
كثيرون يسجدون.. لكن ليس الجميع يسجد من هذا الجنس الظلوم الجهول..
“وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ”
يتشظى المشهد البشري في لحظة كاشفة.
جزء يختار الانضمام طوعاً إلى هذا الموكب المهيب، ليحفظ انسجامه مع حركة الكون الساجد.
وجزء يقرر بصلف وغرور أن يقف شامخاً برأسه الفارغ، متوهماً أنه استثناء من قواعد الوجود.
وهذا الرفض العبثي للسجود لن يعطل حركة الأفلاك قيد أنملة.
لن يوقف دوران الأرض ولن يطفئ الشمس.
هو فقط سيعطل كرامة الإنسان الذي أبى أن ينكسر طوعا..
سيسلبه شرف الانتماء لهذا الموكب العظيم.
“وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ”
الكبرياء الزائف أمام الخالق ينتهي دائماً بسقوط مدوٍ وإهانة لا تُجبر.
حين ترفض السجود مع الجبال والنجوم، أنت تظن يقيناً أنك تمارس حريتك المطلقة لكن الحقيقة المرة هي أنك تحكم على نفسك بأن تكون الكائن الوحيد المنبوذ والمشوه والمهان في هذا الكون الخاضع لربه والمتشرف بهذا الشرف المعز..
شرف السجود.


