إن مسؤولية العالم في هذه النوازل تكمن بالأساس في بيان الحق الملتبس بالباطل، وردّ الشبهات، وحماية الأجيال من مزالق الدعايات المضللات.
أما أن ينشغل العالم فقط بتوضيح الواضحات وتأكيد البديهيات، وتدبيج الموعظات، فهذا لا شك هروب من المسؤولية، والواجب التكليفي الذي كلف الله به العلماء.
إن سكوت العالم عن أعتى موجة باطنية تستهدف أصول الإسلام وثوابته ومصادره -إن لم يكن تحت الإكراه- فهذا خيانة لأمانة العلم، ومسؤولية الإرث النبوي.
إننا لا نتكلم عن شخص يسب الله ورسوله أو يحرق نسخة من القرآن مثلا تعبيرا عن حقده، أو غضبه، أو سفاهته، بل نتكلم عن مشروع متكامل الأركان ومدروس الخطوات مع الإمكانات الضخمة والهائلة لإقناع الناس بإسلام مسخ لا يمت إلى إسلامنا بصلة،
ونحن نرى مدنا بأكملها قد تحولت مع مرور الزمن، ودخلت هذه اللوثة بمستوى أو بآخر في كثير ممن كنا نحسن الظن بهم من مثقفين ودعاة، وصناع للمحتوى.
فوا عجبي أن أرى (العالم) الذي يثور أمام سفاهة سفيه معروف بكفره، ثم يسكت عن هذا الوباء الأسود الذي يخطط جادا ومجتهدا للوصول إلى إندونيسيا شرقا، والجزائر والمغرب العربي غربا، يساعده في ذلك حالة من الخدر والترهل، وربما المجاملات التي وصلت إلى حد تزيين الباطل وتبييض وجهه، وتغرير عامة الناس به.
وهم يرون بأعينهم أن هذا المشروع لا يقف عند (التبشير الديني) فقط، بل ينتقل بسرعة إلى (التجنيد) وتشكيل المليشيات المسلحة، كما حصل في العراق ولبنان واليمن.
فهل يرضيكم يا (علماءنا) أن تخربوا بلدانكم بأيديكم، وأن تفتنوا بسكوتكم شبابكم؟ أما تتعظون بما جرى ويجري لإخوانكم؟
هل يرضيكم أن تروا في عواصمكم مواكب التطبير والتطيين، ورفع الأصوات بشتم المهاجرين والأنصار والطعن في عرض النبي المختار -روحي له الفداء-عليه الصلاة والسلام؟
إن الله تعالى توعد صنفا من (أهل العلم) بما لم يتوعد به غيرهم فقال سبحانه:
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159)} (سورة البقرة)
وحدد سبحانه طريق التوبة لهؤلاء فقال: {(إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)} (سورة البقرة)
إن تحول (العالم) إلى (دبلوماسي) يجامل هذا، ولا يريد أن يقطع صلته بذاك، ويسعى ليكون مقبولا أو محبوبا عند (أولياء الرحمن) و (أولياء الشيطان) فهذه والله هي الفتنة التي لا ينبغي لمن آتاه الله العلم أن يسقط فيها. وقد حذرنا سبحانه من التشبث بهذه المودة فقال:
{وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَّوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُم بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُم بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّاصِرِينَ (25)} (سورة العنكبوت)
لقد عرف الإمام أحمد بموقفه الحازم تجاه (شبهة واحدة تتعلق بالقرآن الكريم) مع أنه بكل تأكيد كان يرى أصناف الكافرين والظالمين والفاسقين، ممن يعرفهم كل الناس، فلماذا جند نفسه لدفع هذه الشبهة بالذات؟ لأن هذه الشبهة لبست الحق بالباطل، فاستوجبت البيان، فهذه هي مهمة العالم الأساس، أما إنكار المنكرات الواضحات فهذا واجب الجميع. وواجب الإنكار شيء، وواجب البيان شيء آخر.
اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد


