كلُّ المفسرين الذين قالوا بأنَّ زوال الإفساد الأوّل لبني إسرائيل كان على يد ملك بابل وجنوده لم يفهموا من قوله تعالى: (عبادًا لنا) أنّهم أهل إيمان وإسلام وصلاح، بل على العكس، فقد فهموا أنّهم كفارٌ وثنيُّون.
يقول السّعدي في تفسيره: (واختلف المفسرون في تعيين هؤلاء المُسَلّطين، إلا أنهم اتفقوا على أنهم قوم كفار).
ويقول الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: (والمقصود بعباد الله هنا الأشوريون)، ومعلوم أنَّ الأشوريين كانوا من أهل الشرك.
وقوله تعالى: (لنا): هو عبارة عن الضمير (نا) المتصل بحرف الجر(اللام)، وهو تركيب لا يفيد التزكية والامتداح والتقريب، بل يفيد المِلكية، فقوله تعالى: (عبادًا لنا) أيْ: إنّهم مملوكون لنا، ويتصرَّفون وفق مشيئتنا، ومن صفاتهم أنهم عبادٌ أولو بأس شديد، أمّا التزكية والامتداح والتقريب، فنجده في الضمائر المتصلة بالأسماء في بعض الأحيان مثل: (بعبده) في قوله تعالى مقرِّبًا نبيّه محمدًا صلّى الله عليه وسلّم: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا)، ومثل: (عبدنا) في قوله تعالى عن النبي داود عليه السلام ممتدحًا وشاكرًا: (اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب)، وكما في قوله تعالى عن عباده المتوكِّلين على الله تعالى فلا يجعلون للشيطان سلطانًا عليهم: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين).
وإنَّ قوله تعالى: (عبادًا لنا) لا يعني أنَّهم مؤمنون بالضرورة، للأسباب التالية:
أولاً: وردت كلمة (عباد) في سياقات عديدة في القرآن الكريم، ومنها ما يدلُّ على فسق هؤلاء العباد أو كفرهم، كما في الآيات التالية:
أ- (أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل)، وواضح من الآية أنهم عباد ضالُّون، ولا يقول أحدٌ بأنّهم مؤمنون أو مهتدون.
ب- (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله) فهم مُسرفون على أنفسهم بالمعاصي.
ج- (نهدي به من نشاء من عبادنا)، فهناك عبادٌ لم تحدثْ لهم الهداية، فهم ليسوا مؤمنين، ولفظ العباد في الآية يشمل غير المهتدين.
د- (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين)، فالذين سيتَّبعون الشيطان هم عبادٌ أيضًا ولكنهم غاوون، ولا يقول أحدٌ بصلاحهم أو تقواهم، وذلك باعتبار الاستثناء متَّصلًا غير منقطع، أيْ أنّ ما بعد (إلّا) من جنس ما قبلها.
ثانيًا: جاء في الحديث الصحيح الذي يرويه النوّاس بن سمعان رضي الله عنه أنّ النبي صلى الله عليه وسلم: (… إِذْ أَوْحَى اللهُ إِلَى عِيسَى: إِنِّي قَدْ أَخْرَجْتُ عِبَادًا لِي، لَا يَدَانِ لِأَحَدٍ بِقِتَالِهِمْ، فَحَرِّزْ عِبَادِي إِلَى الطُّورِ…)، صحيح مسلم 3937، أيْ أنَّ الله تعالى قد أخرج يأجوج ومأجوج الذين لا يَقْوَى أحدٌ من البشر على قتالهم ومواجهتهم، لكثرتهم وقوّتهم، ومعلومٌ لكلِّ المسلمين أنَّ يأجوج ومأجوج ليسوا مسلمين أو مؤمنين، ولكنّهم عبادٌ لله كما في الحديث.
ثالثًا: جاءت صفة البأس الشديد في غير سورة الإسراء لغير المؤمنين، كما في قول الله تعالى: (قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين)، فلا تقتصر صفة البأس الشديد على المؤمنين، فقد اتَّصف بهذه الصفة جنود ملكة سبإ الكافرون الذي كانوا يسجدون للشمس كما في الآية السابقة، وهو ما نجده أيضًا في قول الله تعالى في حق جنود نبوخذ نصر الوثنيين: (بعثنا عليكم عبادًا لنا أولي بأس شديد).
رابعُا: ذكر ابن عبد ربِّه في العقد الفريد، أنَّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى سعد بن أبي وقاص ومن معه من الأجناد: (واعلموا أنّ عليكم في مسيركم حفظةً من الله، يعلمون ما تفعلون، فاستحْيُوا منه، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا: إنّ عدوَّنا شرٌ منَّا فلنْ يُسلّط علينا وإنْ أسأنا، فرُبً قومٍ سُلّطَ عليهم شرٌّ منهم، كما سُلّط على بني إسرائيل لمّا عملوا بمساخط الله كفارُ المجوس، فجاسوا خلال الديار، وكان وعداً مفعولاً).
إنَّ استشهاد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالآية من سورة الإسراء يشير إلى أمرين:
أ- يعلم عمر رضي الله عنه أنَّ الله تعالى قد سمَّى المبعوثين على بني إسرائيل لإزالة إفسادهم عبادًا له، كما في قوله عزّ وجلّ: (عبادًا لنا)، ولكنّه في الوقت نفسه يقول عنهم: (كفرة المجوس).
ب- يعلم عمر رضي الله عنه أنَّ الإفساد الأوّل لبني إسرائيل كان قبل الإسلام، ولذا فهو يستشهد بما حدث لبني إسرائيل لما أتَوا مساخطَ الله.
وممَّا سبق يتضح لنا أنَّ المقصودين بقوله تعالى: (عبادًا لنا) لم يكونوا مؤمنين، بل كانوا أهلَ وثنية وكفرٍ وشرك، وهذا يؤكد القول بأنَّ الإفساد الأوّل لبني إسرائيل في فلسطين قد حدث قبل الإسلام، ولم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، أو في عهد عمر الخطاب رضي الله عنه، أو بعد ذلك.
إنَّ قوله تعالى: (عبادًا لنا)، يدلُّ على أنّهم خاضعون لإرادة الله تعالى فيهم، ليكونوا آلةَ تأديبٍ وتهذيب لمَنْ يخرجون عن الهداية، ويقعون في الفساد والإفساد، ولذا كانوا من أهل البأس الشديد، والقوة، والشجاعة، والجُرأة، وهو ما يُسْتَأْنَس به في ترجيح القول بأنَّ هؤلاء العباد هم البابليون والأشوريون، وأنّ العامل المشترك بينهم وبين العباد الذين يسُوءون وجوه بني إسرائيل في وعد الآخرة هو أنّهم عبادٌ أولو بأس شديد، ولا يَمنع أنْ يكونوا في الوقت نفسه عبادًا مؤمنين، وهو ما نراه بأعيننا، ونشهده بأنفسنا في الأرض المباركة.
دكتور/ نصر فحجان – غزة


