في قلب الصراعات التي تهزّ جسد أمتنا، يبرز سؤال قلّما يُطرح:
هل يستطيع من لم تحرقه نار إيران و ملبشياتها العسكرية أن يراها عدوًّا؟
الحقيقة أن الموقف من النظام الإيراني ليس غالبًا ثمرة تحليل عقلي مجرّد فحسب، بل هو انعكاس لتجربة معيشة. ولهذا فإن من لم يُهدَم بيته في صنعاء، أو لم يُدفن أحبّته تحت أنقاض حلب، أو لم يُختطف ابنه في بغداد، أو لم تُنتهك حرمة عرضه في سجون الميليشيات التابعة لإيران، ولم يذق أقصى صنوف الذلّ والإهانة والتعذيب؛ يستطيع بسهولة أن يرى النظام الإيراني المتوحّش «جزءًا من الأمة الإسلامية»، بل وربما ينظم القصائد في مدح الوحدة معه.
فعلى سبيل المثال، حين يتحدّث تونسي أو جزائري أو مغربي أو شنقيطي عن إيران بوصفها أحد مكوّنات الأمة الإسلامية، فإنه يتحدّث من برج فقهي وتاريخي لم تصل إليه بعدُ رائحة دماء المدن المدمَّرة.
في المقابل، يرى مفكرون قادمون من خليجٍ قلق مثل د. حاكم المطيري، و حسن الدقي، وعبد الله النفيسي النظام الإيراني مشروعًا توسّعيًا ذا طابع مذهبي ونزعة عنصرية، يعلن عداوته جهارًا نهارا.
ومن جهة أخرى، ينظر كثير من النخب الفلسطينية -الذين يحملون جرح فلسطين في صدورهم-إلى هذا الملف من زاوية براغماتية؛ زاوية تقبل أي قوة قد تعين، ولو مرحليًا، على خدمة القضية الفلسطينية، بوصفها حليفًا مؤقتًا، حتى وإن كان يُشمّ من خنجرها رائحة الغدر.
وهكذا تتشكّل المواقف لا على أساس المعطيات والتحليلات وحدها، بل انطلاقًا من جغرافيا الألم، ومن موقع الإنسان: أهو من الناجين أم من المحترقين في لهيب الأحداث.
إننا أمام مشهد يسوده نوع من التشظّي المعرفي حتى بين النخب؛ فلا تجريد حقيقي في التحليل، ولا أفق مشترك في الرؤية. فكلٌّ ينظر إلى العالم من وراء نظّارة صبغتها دماء الجغرافيا ومآسي التاريخ.
ولهذا، فإن الحديث عن إيران بوصفها كيانًا روحيًا داخل الأمة الإسلامية لم يعد بالنسبة لأبناء الشام والعراق واليمن ولبنان والمهتدين وأهل السنة في إيران مجرد «رأي»، بل يُنظر إليه بوصفه ضربًا من الخيانة.
وهنا يبرز سؤال أعمق:
هل تساءلنا يومًا لماذا يكاد لا يوجد مفكر أو سياسي أو تيار إسلامي أو عالم دين أو قائد فكري من سوريا أو العراق أو اليمن أو لبنان يُبدي تعاطفًا مع النظام الإيراني؟
إن الجواب يكمن في التجربة التاريخية المباشرة. فالشعوب التي تحوّلت أراضيها إلى ساحات نفوذ وحروب بالوكالة لم تعرف إيران كمفهوم نظري، بل خبرتها واقعًا ملموسًا مريرًا.
ومع ذلك، فالمسألة لا تتعلق بالسياسة الخارجية وحدها. ففي نظر كثير من أبناء هذه المجتمعات، يزداد الشك حين يُرى ما يصفونه بموقف عدائي تجاه الشعب الإيراني عمومًا، وتجاه أهل السنّة في إيران خصوصًا؛ في بلد يواجه فيه قطاع واسع من المواطنين قيودًا دينية واقتصادية وقومية وسياسية واجتماعية.
فإذا كان نظام سياسي عاجزًا حتى داخل حدوده عن تقديم نموذج عادل للتعايش بين المذاهب الإسلامية، فسيكون من العسير تصديق دعواه قيادة الأمة الإسلامية روحيًا أو سياسيًا خارج حدوده.
ومع ذلك، يظل سؤال أعمق يلوح في الأفق:
كيف جرى التلاعب بالعقول حتى تُختزل أمة الإسلام، التي تضم قرابة مليارين ونصف المليار إنسان، في دولة واحدة — بل في نظام واحد ذي طابع فاشي؟
إن قضية الأمة الإسلامية لا تختزل في دولة، ولا في قوم، ولا في جغرافيا محددة. فالأمة الإسلامية تمتد من إندونيسيا إلى المغرب، وتشترك في آلام وآمال واحدة.
ومع ذلك، نشأ في السنوات الأخيرة نوع من التحريف الخطابي؛ تحريف يسعى إلى تعريف قضية الأمة عبر محور النظام الإيراني، كأن مصير الإسلام بات مربوطًا بمصير نظام بعينه.
في حين أن من أكبر قضايا الأمة وأوضحها قضية فلسطين، الأرض التي تقف منذ عقود في وجه الاحتلال والهيمنة الصهيونية. وإلى جانب فلسطين، لا ينبغي أن تُنسى قضايا أخرى موازية في أهميتها، مثل تركستان وكشمير واليمن والعراق وليبيا، وكذلك قضايا أهل السنّة في إيران وتركمانستان وطاجيكستان وغيرها.
والحقيقة أن أعداء الأمة الإسلامية سعوا دائمًا إلى إعادة ترتيب أولويات المسلمين الفكرية والسياسية؛ تارة بإثارة الانقسامات الطائفية، وتارة بإبراز محاور تُلهي الأمة عن عدوّها الرئيسي.
والنتيجة أن قضية الأمة في بعض الخطابات تقلّصت من مواجهة المشروع الصهيوني والصليبي وقوى مثل الصين والهند وروسيا، إلى نزاعات داخلية بين المسلمين أنفسهم.
ومن هنا لم تعد المسألة مجرد اختلاف في وجهات النظر؛ بل نحن أمام أزمة فكرية على مستوى النخب. أزمة يتلاشى فيها التجرد في التحليل، ويحلّ محل التفكير الاستراتيجي صراعٌ بين العاطفة والخلفية الاجتماعية والحسابات السياسية.
وبذلك لم تعد الأمة تعاني أزمة قيادة سياسية فحسب، بل أزمة قيادة فكرية أيضًا؛ أزمة تختلط فيها المفاهيم بالوقائع، ويدّعي كل فريق صلته بالحقيقة، بينما الحقيقة نفسها لا تمنح هذا الاعتراف بسهولة.
وفي الختام، كلمة صريحة من موقع مسلم إيراني:
أنا، بوصفي إيرانيًا أرى الدفاع عن أرض الأمة المسلمة وأرواحها وأعراضها فرض عين وجهادًا واجبًا، أقول لأولئك السادة الذين ينهالون على غيرهم من المسلمين بتهم الفسق والكفر والحمق والجهل لمجرد اختلافهم معهم:
لسنا بحاجة إلى شعاراتكم الجوفاء. إن كنتم صادقين في أقوالكم، فانزلوا إلى الميدان رجالًا، بعدتكم وعتادكم من الطائرات والبوارج والصواريخ وأرواحكم، وخذوا نصيبكم من المعركة. فالتعاطف اللفظي والخطب البعيدة لا تداوي جراحنا ولا جراح أمتنا.
وإن لم تكن لديكم الشجاعة والجرأة أو الإرادة للحضور في الميدان، فاصمتوا على الأقل؛ فالصمت -على الأقل- لن يجعلكم مبغوضين في أعين شعوبكم. والصمت أبلغ في جروح الحادثات من الفم..







