ليس كلُّ بابٍ في المسجد الأقصى يفتح على ساحة، بل إن بعض الأبواب يفتح أولًا على القلب، ومن هذه الأبواب بابُ حِطَّة، الواقع في الرواق الشمالي بين باب الأسباط وباب شرف الأنبياء، وقد استمد اسمه من قول الله تعالى: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ (البقرة: 58). وليس المقصود أنه الباب الذي أُمر بنو إسرائيل بدخوله، وإنما سُمِّي تيمّنًا بهذه الآية، ليبقى اسمُه يذكّر الداخلين بأن أبواب المساجد تُفتح بالتواضع قبل الأقدام.
ويُجسد البناءُ هذا المعنى في صمتٍ بليغ؛ فالداخل إلى المسجد ينزل درجات، كأن النفس تهبط معها من علائق الكبر إلى مقام العبودية، ثم يجد عن يمينه ويساره مسطبتين تعلوهما محاريبُ للصلاة، فيتهيأ له أن يُحيي المكانَ بركعتين قبل أن يمضي في رحاب الأقصى، أما إذا خرج، صعد الدرج من جديد، وكأن الداخل يخلع عن نفسه أثقال الدنيا، ثم يخرج منها وقد حمل من السكينة ما يرفعه.

وقد جُدِّد هذا الباب في العصر الأيوبي سنة 617هـ، ثم في العصر العثماني سنة 989هـ، وأعيد ترميمه مرة أخرى سنة 1231هـ، وظل عبر القرون واحدًا من أهم مداخل الأقصى، وهو اليوم أحد ثلاثة أبواب فقط يسمح الاحتلال بفتحها في صلوات الفجر والمغرب والعشاء، بينما تُغلق بقية الأبواب، فيبقى باب حِطَّة شاهدًا على أن المصلين لا يزالون يجدون إلى المسجد سبيلًا، مهما ضاقت بهم السبل.
ولعل سرَّ هذا الباب ليس في حجارته العتيقة، ولا في عقوده المحكمة، وإنما في اسمه؛ فكلما مررتَ به سمعتَ الآية تتردد في قلبك قبل أذنك، وكأن الباب يهمس لكل داخل: إن الطريق إلى الأقصى لا يبدأ من هذه العتبة وحدها، بل يبدأ من عتبةٍ أعمق في القلب، فإذا دخله المرء متواضعًا، خرج منه وقد غُسلت روحه بنور الطاعة، وامتلأ فؤاده بمعنى قوله تعالى: ﴿نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾.


