من علُوٍّ يشبه نظرة الملائكة، تشرق قداسة المكان أمام العيون، متّشحةً بزرقة السماء وصفاءِ الأفق، كأن القدس في هذا المشهد تُعرَض على الدنيا كما تُعرَض الجنانُ على قلوب المشتاقين.
يتمدّد المسجد الأقصى المبارك في الصورة كقصيدة نورٍ كتبت على صفحات الأرض، على مساحةٍ تُقارب ١٤٤ دونمًا؛ مساحةٌ لا يُقاس قدرها بالأمتار، بل بما أودع الله فيها من بركاتٍ وسُننٍ وأسرار. هذا السور المستطيل الذي يطوّقه، ليس جدارًا من حجارة، بل حاضنُ تاريخٍ ممتدّ، وحارسُ قداسةٍ لا تنطفئ.
في القلب من المشهد، تتلألأ قبة الصخرة بذهبها، كنجمةٍ هبطت إلى الأرض لتضيء للقلوب طريق السماء، محاطةً بأروقةٍ تشبه أجنحة الملائكة وهي تبسط ظلّها على الساحة المباركة. وعلى مقربةٍ منها، ينهض المُصلّى القبلي بهيبةٍ متجذّرة، يعانق قُبّته الرصاصية الرمادية، كأنه شيخٌ جليلٌ يختزن بين جدرانه أسرار الأنبياء وخطوات المرسلين.
وتمتدّ حول هذين المعلمين الباهرين ساحةٌ عامرة، تحتضن ما يزيد على مئتي معلم؛ من مصاطب وسبل ومآذن وأبواب ومساطب ومنابر، كأن كل زاوية من هذه الرحاب تروي سطرًا من سيرة القدس، وكل حجر فيها يشهد أن هنا مهبط الوحي، وهنا صعد المعراج، وهنا صلّى الأنبياء خلف خاتمهم ﷺ.
وفي أسفل الصورة، على تخوم السور الجنوبي، تتكشّف آثار القصور الأموية، بقايا حضارةٍ اتخذت هذا المكان مقرًا للأمراء والخلفاء، ليكونوا قريبين من المسجد، قريبين من نور الله، قريبين من مركز البركة التي كتبها الله في كتابه.
إنها ليست صورة، بل بوّابةٌ من ضوءٍ ودهشة، تذكّر القلب بأن في القدس شيئًا لا يُشبه شيئًا، وأن الأقصى ليس مبنى، بل هو هوية، وروح، وميثاقٌ بين السماء والأرض… لا يزيده الزمن إلا رفعة، ولا يزيده الاحتلال إلا صلابة، ولا يزيده التصوير إلا حبًّا يتّسع في الصدور.







