في 30 مايو 2015م، نشرتُ هذه الكلمات، أي قبلَ عشرِ سنين، عثرت عليها وأُعيدُ نشرَها لعل بعضَ شبابنا يجدُ فيها نفعاً
نص المقال:
“لا يخفى على أحدٍ ما تمرّ به ليبيا من مخاطرَ عظيمةٍ، وما يحدق بها من نكباتٍ سياسيّةٍ واجتماعيّةٍ وثقافيّةٍ، تسعى إلى طمس هويّتها، ونهب خيراتها، وإفساد شبابها، ورهن سيادتها لمخطّطات التبعيّة والتغريب، وسلخها عن نسيجها العربيّ والإسلاميّ، ومنعها من الإسهام في بناء حضارة هذه الأمّة المجيدة.
يعيش شعبنا حالةً من الحيرة والتيه والتناقض؛ بين نزعة الفطرة التي تأسّست على إجلال الدين، واحترام العرف، والفخر بالتاريخ، والأُنس بالمجتمع، وحبّ الوطن، وبين تعاليم جاهليّة، ودعوات شهوانيّة، ونزعات غريزيّة، تلاحقه بها الفضائيّات ووسائل الإعلام، وسوائل الأقلام، حيثما حلّ وارتحل، وأينما سامر خلًّا، أو خلا بنفسه.
وبين شبابٍ ثائرٍ، تفتّحت زهرة شبابه على واقعٍ مريرٍ متخلّفٍ، وكان يتطلّع إلى الحرّيّة، ويتوق إلى العدل، ويحلم بالتنمية والابتكار والمنافسة وكسر قيود الاستبداد؛ وبين زعاماتٍ هشّةٍ شائخةٍ، أفلست عقولها، وقست قلوبها، ورضعت الذلّ، وهتفت طويلًا للمستبدّ، وامتهنت النفاق، واتّخذت من الدجل والخداع سلّمًا تلبّي به أهواء النفس ومطامع القبيلة، فلم تُحسن بناء دنيا، ولا إصلاح دين!
أزمة ليبيا – كما قلت في أكثر من مناسبة – ليست سياسيّةً فحسب، حتى تنتهي بموت طاغية ليحلّ محلّه طاغية جديد، وليست دستوريّةً فحسب، حتى تُحلّ بكتابة وثيقة، وليست محصورةً في طائفة من سدنة الطاغية، حتى إذا نزل بهم «العزل»، برز صبيانهم وأتباعهم، فصعدوا إلى منصّة الحكم، وعادوا سدنةً لحاكم آخر، مستبدٍّ عربيدٍ، ولكن في ثوبٍ جديد !
إنّ حبال أزمتنا، أيّها الإخوة، قد نُسجت عبر عقودٍ متراكمةٍ من التيه والتخلّف والظلام، وتعاقب على نسج خيوطها الحاكم المستبدّ، والمثقّف النذل، والتاجر الجشع، والموظّف المرتشي، والتديّن المغشوش، والأسرة الهشّة، والمجتمع المتملّق، والقبيلة الكاسدة، والثقافة البالية، والفنّ القبيح؛ حتى إذا عاد الولد إلى بيته، وجد – كما قال شوقي – «أمًّا تخلّت أو أبًا مشغولًا».
كلّ هذه العوامل، وغيرها، أورثت فينا البغضاء، وغياب الإنصاف، والبطالة، وتفسّخ الأخلاق، ودنوّ الهمّة، والتنافس على الشهوات، والتملّق للقويّ الغنيّ، وازدراء الضعيف المعدم.
لقد تنافسَ كثير من الناس على أكل السحت وجباية الرشوة، فقست قلوبهم؛ وقطعوا أرحامهم، فحُرموا من الرحمة؛ وزهدوا في العلم، فطاشت موازينهم؛ وأهانوا العلماء، فحُرموا من المعرفة؛ وخانوا الأمانة، فاسترابت نفوسهم.
واستهانوا بحقوق العباد، وتكالبوا على المال، حتى أصبح الجاه والمال معيارَي الشرف والفضيلة، فأمست نفوسنا نفوسًا تجاريّةً – كما قال الرافعي –: «تساوم قبل أن تنبعث لفضيلة، وتماكس إذا دُعيت لأداء حقّ، ويتعامل الناس في الشرف على أصول من المعدة لا من الروح، فلا يقال حينئذٍ: إنّ رغيفين أكثر من رغيف واحد، كما هي طبيعة العدد، بل يقال: إنّ رغيفين أشرف من رغيف، كما هي طبيعة النفاق».
لو لم يختم الله تبارك وتعالى رسالات السماء بمحمّد صلّى الله عليه وسلّم، لقلنا إنّ العالم اليوم ينتظر ميلاد بعثة رسول جديد! ولكن من رحمة الله تعالى أن جعل بعثة محمّد صلّى الله عليه وسلّم بعثةَ رسولٍ خاتمٍ، يحمل رسالتَه من بعده أتباعُ أمّةٍ خالدةٍ، وكلّفها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأخذ العهد والميثاق على رجالها ونسائها أن يقيموا الدين ولا يتفرّقوا فيه، وجعل ميراث النبوّة في العلم النافع؛ فمن أخذ منه أخذ بحظٍّ وافرٍ.
إنّ ما تحتاجه أوطاننا – في تقديري – هو صناعة «الإنسان» الذي شرّفه الله تعالى، ونفخ فيه من روحه، وأمر ملائكته بالسجود له، وأرسل إليه رسله، وشرع له الشرائع، وسخّر له ما في السماوات والأرض.
ومهمّة الصالحين المصلحين، والفضلاء الوطنيّين، من الرجال والنساء، هي تكوين جيلٍ جديدٍ، قويٍّ بإيمانه، فاهمٍ لتعاليم دينه، فخورٍ بتاريخ أمّته، مستوعبٍ لقضايا عصره، متوكّلٍ على ربّه، واثقٍ من نفسه، يسعى إلى امتلاك أسباب القوّة كلّها: العلميّة والماديّة والروحيّة والنفسيّة.
ولكنّ هذه المهمّة العظيمة لا يستطيع أن ينفرد بها مصلحٌ واحدٌ، مهما علت مواهبه وصدقت نيّته، ولا يمكن أن تعتمد على مؤسّسات الدولة المتهالكة وحدها؛ بل لا بدّ فيها من تعاونٍ جماعيٍّ، تسبقه مدارسةٌ وتدبيرٌ، وحشدٌ وتنظيمٌ، وتوزيعٌ للمهامّ بحسب المواهب والكفاءات، وتأسيسُ مؤسّساتٍ مدنيّةٍ وتجمّعاتٍ قويّةٍ، تتخصّص في مجالات الدعوة والتربية والتأليف والتعليم والإغاثة، وغيرها من ميادين الخير التي غاب دورها، وعفت آثارها منذ عشرات السنين.
وصناعة الإنسان التي ننشدها ليست مجرّد شعاراتٍ تُرفع، أو أمانيّ تُردّد؛ بل هي مشروعٌ إصلاحيٌّ متكاملٌ، يبدأ من الأسرة والمدرسة والمسجد، ويمتدّ إلى الجامعة ومؤسّسات المجتمع، تتكامل فيه تزكية النفوس، وبناء العقول، وتهذيب الأخلاق، وتنمية المهارات، وإعداد الكفاءات، وتربية الأجيال على قيمة العمل، وحمل المسؤوليّة، وخدمة المجتمع.
وما لم تتحوّل هذه المعاني إلى مناهجَ تُدرّس، ومؤسّساتٍ تُبنى، وقدواتٍ تُحتذى، فستظلّ أحاديث الإصلاح أحلامًا فارغةً، يورّثها هذا الجيل لأبنائه وأحفاده، ليعيدوا إنتاج منظومة الفساد من جديد!


