قضية مهمة -بل وفي غاية الأهمية- أن يدرك المسلم الفرق بين الذل والعز؛ والفرق بين وضعية أن يكون عزيزا أو أن يكون ذليلا
وهناك فرق بين إدراك معنى العزة وبين أن يكون المرء عزيزا وعكس ذلك بأن يكون المرء ذليلا وبين أن يدرك معنى الذل
وقد يدرك الإنسان معنى العزة ولكنه يعيش ذليلا وهنا يكون على الحر أن يسعى للعزة وترك الذل فليحاول تغيير واقعه وليجتهد وسيصل بإذنه تعالى
لكن أكبر المصائب ألا يدرك المرء معنى العزة أو الذلة أو يتوه معناهما في خضم ما يحياه من متناقضات وأهواء فعندئذ يضيع كل أمل في الإصلاح والانصلاح؛ فأي معنى للحياة أن يفقد الإنسان تلك القيمة العظيمة..
معنى العِزُّ والعِزَّة:
هو -كما قال اللغويون- الرفعة والامتناع، فالمسلم مرتفع عن الصغائر ممتنع عن خصال الذل والامتهان ولذا ففي جميع أحواله من فقر وغنى وقوة وضعف لا يفقد معنى العزة لأنه معنى نفسي قلبي يشعر فيه باختلافه عن غيره..
فهو يعيش مدركا قيمة ما يحمله من هدى وخير ويدرك ما عليه الآخرين من ضلال وزيغ؛ ويدفعه ذلك للتغير للأفضل.. يستفيد من غيره..
نعم ولكنه لا يفقد أبدا شعوره بقيمة ما لديه من حضارة وتفوق، وهذا التميز والتفرد ليس غرورا -وإن كان كذلك لدى بعض من لم يدرك معنى العزة- ولكنه إدراك لقيمة ما يحمله المسلم من العقائد السليمة والأخلاق الزكية وما عليه الإسلام من نظام بديع وتشريع قويم وفـي التنزيل العزيز: ولله العِزَّةُ ولرسوله وللـمؤمنـين؛
أَي له العِزَّة والغلبة سبحانه. وفـي التنزيل العزيز: من كان يريد العِزَّةَ فللَّه العِزَّةُ جميعاً؛ أَي من كان يريد بعبادته غير الله فلن ينال منه شيئا فإِنما لله العِزَّة فـي الدنـيا والآخرة جميعاً أَي يجمعها فـي الدنـيا والآخرة
المصيبة الكبرى هي أن يضيع هذا المعنى من نفوس أبناء المسلمين ويغريهم أعداؤهم بما لديهم من إبهار وقوة مادية فيضيع معنى العزة ظنا منهم أنهم يتعاملون مع الواقع أو يتفهمون الظروف..
سل أي سياسي أو مفكر ممن تعج بهم الدنيا -إلا من رحم الله- فسيذكر لك كلاما كثيرا عن فارق القوة والحضارة..
متناسيا أن مقياس الحضارة الأكبر هو ماذا قدم ذلك التفوق للإنسان بوجه عام ولأصحاب المنهج الحضاري بوجه خاص
والحق أن الإنسان شقي أيما شقاء بحضارة الغرب دعك من هيروشيما ونجازاكي وإبادة الهنود الحمر وقتلهم بالأوبئة عمدا واستعباد السود واضطهاد الضعفاء ومخازي أبي غريب وغيرها فهذا شيء معلوم للمتأمل؛
لكن انظر إلى المادية التي فصلت الإنسان عن روحه فبخست قيمة دينه وعلاقته بربه وكفرت -حقيقة- بالله تعالى مشرعا ومرشدا وهاديا فأجرت أحكام التجاهل للدين على جميع الأديان دون أن تدرك أنهم وإن كانوا واجهوا دينا محرفا في الغرب فذاقوا بسبب تحريفه ويلات أن ذلك لا يعني أن الدنيا خلت من دين حق يرضي الله تعالى ويحقق العدل بين الناس ففقدوا قيمة الإنسان كإنسان سواء في بلادهم أو في غيرها واشتعلت في قلوبهم نيران شهوات التسلط وحب المال والشهوات فقننوا حياتهم وفق ما يشبع ذلك التردي وابتلوا بمن يقنن لهم ذلك كالفلاسفة والمفكرين والمشرعين والاقتصاديين بل وجد من يؤجج التسلط ويبرر الانحراف تحت مظلة الحوائج النفسية كفرويد الذي صور كل سلوك إنساني بصورة غريزية حيوانية وادعى أن أي منع للإنسان من قضاء وطره سيفضي به إلى الكبت..
ويا لها من شبهات ترتدي ثوب العلم وهي منه خواء وتدعي الحكمة فتزين الباطل.. فأي حضارة يتعزز بها الغرب وأي فتنة فيه لو كنا نعقل؟
لقد ذم الله تعالى من تعزز بغير الله تعالى ومن تكبر على شرعه عز وجل فترك دينه انبهارا بقوة غيره -وهي مرحلة بدأ بها الإسلام ويمر بها كلما قصر المسلمون في نصرته والتعزز به- فأخبر بنفاق من كان هذا حاله فقال سبحانه:
(بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيما، الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) (النساء138:139)
وإن توجهت إليهم بالنصح اتهموك بأنك غائب عن الواقع وإن ذكرتهم بالله وبعهده عليهم بطاعته ذموك واستكبروا عن قبول الحق منك لأنك -في نظرهم- ضعيف ذليل
قال تعالى (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) (البقرة:206)
ولقد عزى رسوله عما خوفه به أهل الضلال بما في أيدي الكفار من قوة ومنعة فقال سبحانه (وَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) (يونس:65)
ويوم القيامة لما تتكشف الحقائق سيدرك هؤلاء كم كانت خسارتهم ولأي مدى كان عماهم عن الحق فظنوا العزة في جانب الأذلاء ويوم إذن يقال لهم تأنيبا (ذُقْ إِنك أَنت العَزِيزُ الكريم) قال الزجاج: نزلت فـي أَبـي جهل، وكان يقول: أَنا أَعَزُّ أَهلِ الوادي وأَمنعُهم، فقال الله تعالـى: ذُقْ إِنك أَنت العَزِيزُ الكريم، معناه ذُقْ هذا العذاب إِنك أَنت القائل أَنا العَزِيزُ الكريم.
قال الشاعر:
بِـيض الوُجُوهِ كَرِيمَة أَحْسابُهُمْ فـي كلِّ نائِبَةٍ عِزاز الآنُفِ
عن زيد بن أرقم رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: خرجنا مع رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في سفر أصاب الناس فيه شدة فقال عبد اللَّه بن أبي: لا تنفقوا على من عند رَسُول اللَّهِ حتى ينفضوا، وقال: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فأتيت رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فأخبرته بذلك، فأرسل إلى عبد اللَّه بن أبي فاجتهد يمينه ما فعل، فقالوا: كذب زيد رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم، فوقع في نفسي مما قالوه شدة حتى أنزل اللَّه تعالى تصديقي {إذا جاءك المنافقون} (المنافقين 1) ثم دعاهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم ليستغفر لهم فلووا رؤوسهم> مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) (فاطر: من الآية10)
(يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ)
(المنافقون:8)


