سورة الأعلى وتسمى: سَبِّحْ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (1) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5) سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7) وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى (8) فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (13) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)
سُورَةُ الأعلى مكية وهي تسع عشرة آية
قال ابن عطية: سورة الأعلى
وهي مكية في قول الجمهور، وحكى النقاش عن الضحاك أنها مدنية، وذلك ضعيف، وإنما دعا إليه قول من قال: إن ذكر صلاة العيد فيها.
سورة الأعلى سورة لها رونق خاص فهي أول ما نزل من السور المسبحات أي التي ابتدأت بالتسبيح وهي سور متميزة بذكر آلاء الله تعالى وملكه وقدرته وتعدد نعمه الكثيرة مثل قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده – سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم له ملك السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير- سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم – يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس – يسبح لله ما في السماوات والأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير) وبعضها مكي وأكثرها مدني
والسورة هنا تأمر بالتسبيح وتذكر صفة الله تعالى الأعلى واسمه العلي فهو تعالى أعلى في كل شيء في ذاته وفي مقامه وفي قدرته فهو أهل أن يسبح ويعظم ويكثر من ذكره باللسان ويستشعر نعمه بالقلب وتسخر الجوارح متشرفة بطاعته تعالى فله الحمد والمنة على جميع خلقه
كما هي أول سورة تذكر طرفا مما أوحى الله تعالى به إلى أنبيائه من أولي العزم من الرسل ألا وهما إبراهيم وموسى وهذا ربط بين الأنبياء ودعوتهم جميعا فدين الأنبياء واحد وإن اختلفت شرائعهم ومنه قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى (15) بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (18) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (19)
وهذا في ذاته كشفا عن المشتركات بين دعوة الرسل وتنويها لامتداد رسالة الإسلام عبر التاريخ
وتذكيرا بفلاح السالكين سبيل تزكية النفوس بالذكر والصلاة والتسبيح وإيثار الآخرة على متاع الدنيا
وقال الإمام البقاعي: مقصودها: إيجاب التنزيه للأعلى سبحانه عن أن يلحق ساحة عظمته شيء من شوائب النقص، كاستعجال في أمر؛ منْ إهلاك الكافرين، أو غيره، أو العجز عن البعث أو إهمال الخلق سدى يبغي بعضهم على بعض بغير حساب. أو أن يتكلم بما لا يطابق الواقع، أو بما يقدر أحد أن يتكلم بمثله، وعلى ذلك دل كل من اسميها: سبح، والأعلى.)
وأما فضائلها: فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبها
فروى أحمد عن علي رضي الله عنه قال: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يحب هذه السورة: (سبح أسم ربك الأعلى).
ولذا كان يصلي بها في الشفع والوتر وفي الجمعة وفي العيدين وهذا احتفاء يكشف عن أهمية معانيها وما تدعو إليه
فروى أبو داود، والنَّسائي، وابن ماجة، بسند صحيح.
عن أبي بن كعب رضي الله عنه، أن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يقرأ في ثلاث ركعات الوتر سبح اسم ربك الأعلى، وقل يا أيها الكافرون، والإِخلاص.
وصلاة الوتر آخر ما يختم به العبد صلاته في ليلته فيكرر على نفسه معاني التوحيد من تنزيه الله تعالى عن الشرك وشكره تعالى وتسبيحه والتبرؤ من الكفر وأهله
وفي الصحيح «أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال للذي طول صلاته بالناس: اقرأ ب {سبح اسم ربك الأعلى} [الأعلى: 1] {والشمس وضحاها} [الشمس: 1] ونحو ذلك
قراءتها في العيدين وسر ذلك
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقرأ في العيدين: في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسبح أسم ربك الأعلى، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وهل أتاك حديث الغاشية.
قال البقاعي “في مصاعد النظر” سر ذلك: أن الأعلى فيها التنزيه، لئلا يظن أنه سبحانه محتاج إلى ما فرغ منه أهل العيد من العبادة، والحث على تزكية النفس والمال، والصلاة
والذكر، والإعراض عن الدنيا، لأن العيد مظنة التهاون بذلك، والانبساط إلى الدنيا.
والغاشية فيها الحث على الِإخلاص، لئلا يكون العامل – مع تعبه في الدنيا – معذباً في الأخرى، والتذكير بما جرت عادة الناس أن يخرجوا إليه من عيدهم من الرياض والجبال ونحوها، ليكون نظرهم إليه اعتبار بالآيات والحساب، وانقسام الناس إلى صنفين.
كما أن أهل العيد ينقلبون إلى منازلهم على وجهين: محسن حائز للثواب، ومسىء قد خاب، واستحق العذاب.).
وقد كان الصحابة يجملون قراءتهم لتلك السورة بالتسبيح بعد تلاوة سبح اسم ربك الأعلى امتثالا لأمره تعالى
قال النووي في التبيان:
عن ابن عباس، وابن الزبير، وأبي موسى الأشعري، رضي الله
عنهم: أنهم كانوا إذا قرأ أحدهم “سبح اسم ربك الأعلى” قال: سبحان ربي الأعلى.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يقول فيها: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات.
قال الألوسي: ومما ذكره العلماء من معان التسبيح أنه بالذكر وبالفعل المقدس لله تعالى والمنزه كما أن التسبيح يكون كذاك بحسن اختيار الألفاظ المنزهة لله تعالى في مواضع من الكلام أو الاعتذار
(وورد عن الإمام مالك رضي الله تعالى عنه أنه كان إذا لم يجد ما يعطي السائل يقول: ما عندي ما أعطيك أو ائتني في وقت آخر أو نحو ذلك، ولا يقول نحو ما يقول الناس
يرزقك الله تعالى أو يبعث الله تعالى لك أو يعطيك الله تعالى أو نحوه،
فسئل عن ذلك فقال:
إن السائل أثقل شيء على سمعه وأبغضه إليه قول المسئول له، ما يفيده رده وحرمانه، فأنا أجل اسم الله سبحانه من أن أذكره لمن يكره سماعه ولو في ضمن جملة..) ا هـ
وقد قال العلماء إنه كما يجب تنزيه ذاته تعالى وصفاته جل وعلا عن النقائص يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لذلك عن الرفث وسوء الأدب) ذكره الألوسي في تفسير الآية
وقوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (2) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (3) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (4) فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى (5)
الذي خلق فسوى: تأمل خلق الله تعالى الذي سواه من الجمادات والأحياء العاقلة وغير العاقلة فخلقها كلها في غاية العجب والإعجاز من الذرة إلى المجرة ومن الخلية حتى أكبر الكائنات: متناسقة التكوين منضبطة الأداء جميلة الشكل تجمع بين الفائدة للمخلوق وبين تزيينه؛ وبين كونها في أفضل حال لإفادته من المرونة والدوام وتعدد القدرات
وتأمل في العين وجمالها وما وضع لحمايتها من الجفون والحواجب والتجويف والقنوات الدمعية والأهداب بأقل حجم وأفضل أداء
وقل مثل ذلك عن اليد وأصابعها وسلامياتها وأعصابها وانثنائها لتخدم صاحبها باتجاهات شتى وعن القدم وعن الجذع وعن الظهر والرقبة، ولو فقد كائن منها بعضا مما آتاه الله فلن تعوضه علوم الدنيا وقوتها عما حرم منه فلو فقد الإنسان بصره أو سمعه أو حياته هل يأتيه بها أحد من خلق الله؟ إنه الذي خلق فسوى
والذي قدر فهدى: وكذا تأمل في هداية الله تعالى للخلائق عاقلها وغير عاقلها فهي آية من آياته فالرضيع قبل بصره يهديه الله لالتقام الثدي الذي به حياته والطيور والأسماك تهاجر حال الشدة من برد أو حر أو قلة زاد ثم تعود إلى أماكنها لاحقا فلا تخطئه والحيوانات كلها تأكل ما ينفعها وتتجنب ما يضرها وتعرف كيف تتكاثر وكيف تحمي صغارها ولو استقصينا ذلك لملأنا كتبا فمن أعلم هذه الخلائق كلها بهذا ومن هداها إليه؟ إنه الله الذي خلق فسوى وقدر فهدى
قال ابن كثير رحمه الله في «تفسيره» 4/ 592: وقوله: والذي قدر فهدى قال مجاهد: هدى الإنسان للشقاوة والسعادة، وهدى الأنعام لمراتعها، وهذه الآية كقوله تعالى إخبارا عن موسى أنه قال لفرعون: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى أي: قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه. اه.
وفي قوله تعالى: وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى
لقد يسر الله تعالى أمر رسوله في حياته وفي دعوته وفي جميع شأنه وذلك قبل الوحي وبعده فهو في حفظ وعناية وتيسير؛ بل من سلك سبيله هداه الله تعالى ويسر أمره إيمانا وثباتا وتسليما فهذا دين اليسر وجاء بخيرات الدنيا والآخرة بل اليسر كذلك في إقامة الله تعالى الحجة به على الخلائق بعد أن اندرست معالم الدين لدى الأمم الأخرى فيبقى الإسلام هو السبيل لعقيدة نقية صافية تدل الإنسان على ما يصلح أمره
وكان رسول الله اليسر كله…في فعله وفي خلقه وفي توجيهاته وقد نفع الله به بذلك خلقا كثيرا.
فرسول الله- صلى الله عليه وسلم- في كل أمره.. ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما كما روت عنه عائشة- رضي الله عنها
– وكما قالت عنه: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خلا في بيته ألين الناس، بساما ضحاكا
ومن اليسر وصفه للدين الذي جاء به أنه دين يسر فقال – صلى الله عليه وسلم-: «إن هذا الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه» (أخرجه البخاري)..
وقال «لا تشددوا على أنفسكم فيشدد عليكم فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد عليهم… » (أخرجه أبو داود)..
وقال «إن المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى» (أخرجه البخاري)..
وقال «يسروا ولا تعسروا» (أخرجه الشيخان)
وفي التعامل: يقول «رحم الله رجلا سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى» (أخرجه البخاري) ويقول «المؤمن هين لين» (أخرجه البيهقي)
ويقول «المؤمن يألف ويؤلف» (أخرجه الدارقطني).
ويقول: «إن أبغض الرجال إلى الله الألدّ الخصم» (أخرجه الشيخان.
ويقول: «إن من المعروف أن تلقى أخاك بوجه طلق» (أخرجه الترمذي)..
.وهذا اليسر يتضح من علاجه للنفوس، ويكشف عن طريقته- صلى الله عليه وسلم- وطبيعته مثل تركه لإعرابي بال في المسجد لمعرفته أنه جاهل ويجب تعليمه فعلمه وعلم من حضر درسا في الرفق وفي الفقه أيضا بأن يلقوا على بوله ذنوبا من الماء ليطهر:
وجاءه أعرابي يوما يطلب منه شيئا فأعطاه.
قال له: أحسنت إليك؟
قال الأعرابي: لا. ولا أجملت!
فغضب المسلمون، وقاموا إليه
فأشار إليهم أن كفوا. ثم دخل منزله، وأرسل إلى الأعرابي، وزاده شيئا
ثم قال: أحسنت إليك؟
قال: نعم. فجزاك الله من أهل ومن عشيرة خيرا.
فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم-: إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإذا أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي، حتى يذهب من صدورهم ما فيها عليك. قال: نعم.
فلما كان الغداة جاء، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: إن هذا الأعرابي قال ما قال، فزدناه، فزعم أنه رضي. أكذلك؟
فقال الأعرابي: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.
فقال- صلى الله عليه وسلم- إن مثلي ومثل هذا الأعرابي كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه، فتبعها الناس، فلم يزيدوها إلا نفورا، فناداهم صاحب الناقة: خلوا بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها وأعلم. فتوجه لها صاحب الناقة بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض، فردها هونا هونا، حتى جاءت واستناخت، وشد عليها رحلها، واستوى عليها. وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار)
وفي قوله سبحانه: فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (11) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (12) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا (13)
عودة للتذكير ولبيان من سيفلح بالتدبر والفهم ومن ينتفع بذلك حين يعود عليه التأمل بتقديس ربه وتنزيهه وإدراك قوته وعظمته وكبرياءه تعالى
قال ابن الجوزي ما مختصره: في قوله تعالى (إن نفعت الذكرى) بمعنى قد نفعت الذكرى أو ذكر ما نفعت الذكرى) انتهى
ومعنى هذا فحين لا ينتفع الإنسان بالذكرى فلا نضيع وقتنا معه فهناك هوى متبع ودنيا مطاعة وإعجاب كل ذي رأي برأيه وإن كان أصحاب العزائم لا يتركون من في قلبه ذرة من خير
وفي قوله تعالى: بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى
قال ابن الجوزي:
أنهم يؤثرون الدنيا على الآخرة، لأنهم لا يؤمنون بها.
وإن أريد به المسلمون،
فالمعنى:
يريدون الاستكثار من الدنيا على الاستكثار من الثواب
. قال ابن مسعود:
إن الدنيا عجلت لنا، وإن الآخرة نعتت لنا، وزويت عنا، فأخذنا بالعاجل وتركنا الآجل.
.حكم من السورة: رغم أن السورة مكية ونزلت قبل الصلاة المعروفة حاليا وقبل الزكاة أو زكاة الفطر إلا أن العلماء ذكروها بعموم لفظها في معرض الاستدلال على إخراج زكاة الفطر قبل صلاة العيد: قال الإمام ابن العربي:
قال أبو العالية: نزلت في صدقة الفطر يزكي ثم يصلي.
قال عكرمة: كان الرجل يقول أقدم زكاتي بين يدي صلاتي. فقال سفيان: قال الله تعالى: {قد أفلح من تزكى} [الأعلى: 14] {وذكر اسم ربه فصلى} [الأعلى: 15].







