في خطوة تكرّس تحول أنقرة من مستهلك للطاقة إلى لاعب جيوسياسي عابر للقارات، أبحرت سفينة الحفر التركية العملاقة “تشاغري باي” من ميناء “طاش أوجو” جنوبي البلاد، متجهة نحو المياه العميقة في الصومال.
هذه الرحلة ليست مجرد مهمة فنية للتنقيب، بل هي إعلان رسمي عن ولادة “طموح طاقي” تركي يتجاوز حدود البحار الإقليمية، ليضع أنقرة ومقديشو في قلب خارطة الطاقة العالمية الجديدة.
لحظة تاريخية.. كسر حاجز البحار الإقليمية
وصف وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، انطلاق السفينة بأنه “لحظة تاريخية”، مشيراً إلى أن هذه هي المهمة الأولى من نوعها للبحث عن النفط والغاز في مياه دولية بعيدة.
وتأتي هذه الخطوة لتعزز “الشراكة الاستراتيجية” التي باتت تربط تركيا بالصومال، حيث ينظر البلدان إلى قطاع الطاقة بوصفه المحرك الرئيس لعلاقاتهما الثنائية.
الجدول الزمني المعلن
ستستغرق الرحلة نحو 45 يوماً لتصل إلى مقديشو، وستبدأ عمليات الحفر الفعلي في أبريل المقبل عند بئر “كوراد-1”.
القدرات التقنية للسفينة : السفينة “تشاغري باي” (بطول 228 متراً) مجهزة للعمل في ظروف قاسية، بقدرة حفر تصل إلى 12 ألف متر تحت سطح البحر.
الصومال.. من التعافي إلى الاستثمار السيادي
من جانبه، اعتبر وزير البترول الصومالي، طاهر شري محمد، أن هذا اليوم يمثل شهادة ميلاد جديدة للاقتصاد الصومالي.
وأكد في تصريحات صحفية أن انطلاق أعمال التنقيب يعكس “تعافي الدولة وبدء الاستفادة الرسمية من الثروات الطبيعية”.
وشدد الوزير على مبدأ “العدالة والشفافية” في إدارة هذه الموارد، داعياً الشعب الصومالي إلى الوحدة لدعم هذا المشروع الوطني الذي سيؤمن مستقبل الأجيال القادمة، بعيداً عن صراعات الماضي.
التوسع العالمي.. أسطول تركي ينافس الكبار
لا تتوقف طموحات أنقرة عند السواحل الصومالية؛ فوفقاً لما نشرته وكالة “الأناضول” وتقارير اقتصادية دولية، باتت تركيا تمتلك رابع أكبر أسطول للبحث السيزمي والحفر عالمياً بـ 6 سفن متطورة.
خارطة الانتشار التركي القادمة
اولا -باكستان: البدء بمسح سيزمي في السواحل الباكستانية قبل نهاية العام الجاري.
ثانيا -ليبيا: الحصول على تراخيص تنقيب جديدة في حقلين (بري وبحري) لتعزيز الوجود في المتوسط.
ثالثا- شراكات دولية: توقيع اتفاقيات استراتيجية مع عمالقة الطاقة مثل “إكسون موبيل”، “شيفرون”، و”بي بي”. وتستهدف شركة البترول التركية الوصول بإنتاجها الى 500 الف برميل يوميا من النفط والغاز، عبر تنويع مصادرالانتاج والشراكات الدولية.
يرى محللون في شؤون الطاقة أن التحرك التركي الصومالي يحمل رسائل مزدوجة، فعلى مستوى الاقتصاد تعمل على تقليل اعتماد تركيا على الواردات الخارجية وتأمين مصادر طاقة رخيصة ومستدامة.
ومن الناحية السياسية تعزز الحضور التركي في منطقة القرن الأفريقي وباب المندب، وهي منطقة صراع نفوذ دولي محموم.
وتشير التقارير إلى أن نجاح مهمة “عروج ريس” السيزمية في أكتوبر 2024 مهد الطريق لهذه الخطوة، مما يجعل من الصومال “حجر الزاوية” في الاستراتيجية التركية “للبحار البعيدة”.
نحو فجر جديد في القرن الأفريقي
إن انطلاق “تشاغري باي” يمثل أكثر من مجرد عملية تنقيب؛ إنه اختبار لقدرة الصومال على حماية سيادتها الاقتصادية، واختبار لتركيا في إدارة مصالحها العابرة للحدود.
إذا ما تكللت هذه الجهود باكتشافات تجارية ضخمة، فإن موازين القوى في شرق أفريقيا ستشهد تحولاً جذرياً، محولةً الصومال من بلد يواجه التحديات الأمنية إلى مصدر محتمل للطاقة في القارة السمراء.


