دخلت الحكومات حول العالم مرحلة جديدة من اختبار القدرة على امتصاص صدمة الطاقة، مع استمرار اضطراب إمدادات النفط والمنتجات المكررة وارتفاع تكاليف النقل والشحن، بينما تتسع الضغوط على الموازنات العامة بين خيار دعم المستهلكين أو تمرير الزيادة إلى الأسواق.
وتظهر بيانات وتحليلات دولية حديثة أن موجة التدخل الحكومي اتسعت سريعًا منذ اندلاع أزمة الطاقة المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط. ووفق تحليل أوردته صحيفة «فايننشال تايمز» استنادًا إلى بيانات وكالة الطاقة الدولية، ارتفع عدد الدول التي تطبق دعمًا للوقود من 16 دولة إلى 38 دولة خلال أربعة أشهر، فيما تقدم 94 دولة شكلًا من أشكال الدعم للمستهلكين في مواجهة ارتفاع أسعار الطاقة.
ولا يقتصر الضغط على أسعار النفط الخام. فوكالة الطاقة الدولية تقول إن اضطراب الإمدادات جعل أسواق المنتجات المكررة، وفي مقدمتها الديزل، أكثر تشددًا من سوق الخام نفسها. وفي تقرير سبتمبر، قالت الوكالة إن صادرات المنتجات المكررة والغاز النفطي المسال من دول الخليج كانت أقل بنحو 60%، أو 3.7 مليون برميل يوميًا، من مستويات فبراير، بينما تراجعت صادرات الديزل من الخليج وروسيا معًا بنحو 1.6 مليون برميل يوميًا مقارنة بذلك الشهر.
وفي 21 سبتمبر، تراجعت أسعار النفط عن المستويات المرتفعة التي سجلتها خلال الأسابيع الماضية، وسط آمال بإمكانية فتح مسار دبلوماسي بشأن الحرب في الشرق الأوسط وتحسن جزئي في صادرات السعودية. ووصل خام برنت في التعاملات الصباحية إلى نحو 101.7 دولار للبرميل، بعدما لامس أدنى مستوى له منذ 10 سبتمبر. غير أن وكالة الطاقة الدولية حذرت من أن استمرار اضطراب الإمدادات وتراجع المخزونات قد يعيدا الضغط الصعودي إلى الأسواق.
الدعم بين حماية المستهلك وكلفة الموازنة
وتضع هذه التطورات الحكومات أمام معادلة صعبة. فتمرير الزيادة بالكامل إلى المستهلك قد يرفع تكاليف النقل والإنتاج والغذاء ويغذي التضخم، بينما يؤدي تثبيت الأسعار أو دعم الوقود لفترة طويلة إلى نقل جزء من الصدمة إلى الموازنة العامة.
ويحذر صندوق النقد الدولي من أن الدعم واسع النطاق وخفض الضرائب على الوقود يمكن أن يكونا مكلفين ماليًا وصعبي الإلغاء، خصوصًا في الدول التي تواجه أصلًا مستويات مرتفعة من الدين وخدمة الدين. ويدعو الصندوق، عند الحاجة إلى الدعم، إلى أن يكون مؤقتًا وموجهًا إلى الفئات الأكثر تعرضًا للصدمة، بدلًا من دعم الأسعار لجميع المستهلكين.
وتتوافق هذه الرؤية مع تحليل وكالة الطاقة الدولية، التي وجدت أن التدخلات القصيرة الأجل منذ أزمة 2022 لم تكن موجهة بالقدر الكافي إلى الأسر الأكثر تعرضًا لارتفاع الأسعار؛ إذ استهدفت 25% فقط من هذه التدخلات الأسر الضعيفة بشكل مباشر. وتقدر الوكالة أن الدعم المالي الحكومي المرتبط بالطاقة بلغ نحو 405 مليارات دولار سنويًا في 2025، بما يعادل 1.4% من إجمالي الإنفاق الحكومي العالمي.
كما يشير صندوق النقد إلى مشكلة أخرى في دعم الوقود: الاستفادة لا تتوزع بالضرورة وفق الحاجة. ووفق أحدث بياناته، يحصل أفقر 20% من الأسر على نحو 8 سنتات فقط من كل دولار يُنفق على الدعم الصريح للوقود، ما يعني أن الدعم العام قد يكون أقل استهدافًا للفئات الفقيرة من برامج التحويلات المباشرة.
أوروبا تواجه شتاءً أكثر كلفة
وتظهر المعضلة بوضوح في أوروبا، حيث تتزامن أسعار الطاقة المرتفعة مع مخزونات غاز أقل من المتوسط الموسمي. وأظهرت بيانات نقلتها رويترز في سبتمبر أن مخزونات الغاز الأوروبية بلغت نحو 69% من السعة، مقابل متوسط موسمي لخمس سنوات يبلغ 85%، فيما ارتفعت أسعار الغاز والديزل بصورة كبيرة مقارنة بالعام السابق.
وفي فرنسا، قررت الحكومة تمديد دعم موجه للقطاعات الأكثر تضررًا من ارتفاع أسعار الوقود حتى نهاية العام. ويشمل ذلك دعمًا للصيادين والمزارعين وبعض شركات البناء والأشغال العامة، مع استمرار إجراءات تستهدف الأنشطة الأكثر تعرضًا لارتفاع تكلفة الوقود.
أما ألمانيا، فقد أعلنت حكومتها بحث إجراءات لتخفيف العبء عن المستهلكين في ظل وصول أسعار البنزين إلى مستويات قياسية. وبلغ متوسط سعر بنزين «إي عشرة» نحو 2.30 يورو للتر في 15 سبتمبر، بينما اقترب سعر الديزل من 2.42 يورو، وفق بيانات نقلتها رويترز عن نادي السيارات الألماني.
وتواجه أوروبا كذلك نقصًا محتملًا في وقود الطائرات خلال الربع الأخير من العام. وتشير تقديرات نقلتها رويترز إلى عجز محتمل في السوق الأوروبية يبلغ نحو 510 آلاف برميل يوميًا، في وقت تراجعت فيه مخزونات وقود الطائرات في مركز أمستردام-روتردام-أنتويرب إلى أدنى مستوياتها منذ سبع سنوات.
الدول النامية أمام معادلة أكثر قسوة
وتصبح خيارات الحكومات أكثر ضيقًا في الدول النامية التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الوقود، إذ يمكن أن يؤدي ارتفاع الأسعار العالمية إلى زيادة فاتورة الاستيراد واستنزاف احتياطيات النقد الأجنبي في الوقت نفسه الذي تضطر فيه الحكومات إلى زيادة الإنفاق لحماية المستهلكين.
وفي بنجلاديش، رفعت الحكومة أسعار الوقود بما يصل إلى 17.4% في 21 سبتمبر، في ثالث زيادة خلال العام، بعدما قالت وزارة الطاقة إن أسعار الوقود العالمية تضاعفت أكثر من مرة منذ مارس. وذكرت رويترز أن شركة النفط الحكومية تكبدت خسائر بلغت نحو 1.9 مليار دولار خلال الفترة من مارس إلى أغسطس، فيما تستهدف الحكومة خفض خسائرها السنوية بنحو 100 مليار تاكا من خلال الأسعار الجديدة.
وتكشف الحالة البنجلاديشية جانبًا آخر من الأزمة: حتى عندما تقرر الحكومات تقليص الدعم أو رفع الأسعار، فإن التكلفة لا تختفي، بل تنتقل إلى النقل والصناعة وسلاسل الإمداد. وقد حذرت شركات في قطاع الملابس هناك من أن زيادة تكاليف الوقود قد ترفع تكاليف الإنتاج والنقل وتضيف ضغوطًا على التضخم.
وفي بوليفيا، أعلنت الحكومة في 18 سبتمبر إنهاء دعم الديزل والانتقال إلى نظام تسعير موحد، في خطوة ربطتها السلطات بأزمة نقص الوقود والحاجة إلى معالجة الاختلالات في التوزيع. وتوضح هذه الخطوة كيف يمكن لارتفاع كلفة الدعم أن يتحول من أداة لحماية المستهلك إلى قضية تتعلق بتوافر الوقود نفسه.
أزمة أوسع من سعر البنزين
وتشير التطورات الحالية إلى أن الأزمة لم تعد مرتبطة بسعر الخام وحده. فاختناقات النقل البحري، ومحدودية عبور بعض الممرات الاستراتيجية، وتضرر بعض المصافي، وانخفاض المخزونات، كلها عوامل تضغط على المنتجات التي تصل مباشرة إلى المستهلكين والشركات.
وقالت وكالة الطاقة الدولية إن إنتاج النفط العالمي تراجع في أغسطس بمقدار 1.6 مليون برميل يوميًا إلى 100.1 مليون برميل يوميًا، بينما ظلت أكثر من 10 ملايين برميل يوميًا من إنتاج الخليج متوقفة بسبب المخاطر الأمنية. كما سجلت هوامش تكرير قياسية في حوض الأطلسي نتيجة القفزة الحادة في أسعار الديزل.
وتتزامن هذه الضغوط مع تراجع المخزونات العالمية. فقد انخفضت المخزونات المرصودة عالميًا بنحو 95 مليون برميل في أغسطس وحده، لتصل السحوبات التراكمية منذ فبراير إلى 507 ملايين برميل، وفق وكالة الطاقة الدولية.
وبذلك تواجه الحكومات معضلة تتجاوز القرار التقليدي بين «الدعم» و«عدم الدعم». فالدعم الشامل قد يخفف الصدمة الآنية لكنه يرفع كلفة المالية العامة، بينما يؤدي تمرير الأسعار سريعًا إلى المستهلكين إلى زيادة مخاطر التضخم وإضعاف القدرة الشرائية ورفع تكاليف النقل والإنتاج.
ما الذي تستطيع الحكومات فعله؟
يرى البنك الدولي أن التجربة الحالية تعزز الحاجة إلى إجراءات مؤقتة وموجهة بدل الدعم واسع النطاق، خصوصًا في الاقتصادات التي تراجعت فيها المساحة المالية بعد سلسلة من الصدمات خلال السنوات الأخيرة. ويحذر البنك من أن الإجراءات المالية غير المستهدفة قد تشوه الأسواق وتستنزف الاحتياطيات المالية، داعيًا إلى توجيه المساعدة سريعًا إلى الأسر الأكثر تضررًا.
وتطرح وكالة الطاقة الدولية بدورها مجموعة أوسع من الخيارات، تشمل ترشيد استهلاك الوقود، وتشجيع التحول إلى مصادر طاقة بديلة، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، إلى جانب الدعم المالي المؤقت للمستهلكين. وتتابع الوكالة حاليًا إجراءات عشرات الحكومات في إطار قاعدة بيانات مخصصة لرصد الاستجابات لأزمة الطاقة الحالية.
أما الخطر المالي الأكبر فيكمن في تحول التدخل الطارئ إلى سياسة دائمة. فكلما طال أمد الأسعار المرتفعة، أصبح من الأصعب على الحكومات إنهاء الدعم من دون إحداث صدمة جديدة في تكاليف المعيشة، بينما يؤدي استمرار الدعم إلى زيادة الحاجة إلى الاقتراض أو خفض الإنفاق في مجالات أخرى.
وفي الدول ذات الموازنات المحدودة، قد يعني ذلك منافسة مباشرة بين الإنفاق على الوقود وبين قطاعات أخرى مثل الصحة والتعليم والاستثمار العام، بينما تواجه الحكومات الغنية معضلة مختلفة تتمثل في ارتفاع الدين وتكاليف خدمة الدين وضرورة الحفاظ على هوامش مالية للتعامل مع صدمات مستقبلية.
وفي النهاية، لا تكشف أزمة الوقود العالمية فقط عن هشاشة أسواق الطاقة أمام الحروب واضطرابات الشحن والتكرير، وإنما تكشف أيضًا حدود قدرة الحكومات على امتصاص الصدمات. فكل دولار تنفقه الدولة لحماية المستهلك من السعر العالمي له تكلفة في مكان آخر من الاقتصاد، والسؤال الذي يزداد إلحاحًا ليس فقط من سيدفع ثمن الوقود، وإنما كيف ستوزع الحكومات كلفة الأزمة بين المستهلك والموازنة والاقتصاد على المدى الطويل.







