تدخل الولايات المتحدة الأمريكية النصف الأول من عام 2026 وهي تواجه التهديد الأكثر رعباً لنفوذها الجيوسياسي والمالي في التاريخ الحديث، حيث تحول تجاوز الدين العام حاجز 100% من إجمالي الناتج المحلي من مجرد مؤشر حسابي رمزي داخل أروقة واشنطن إلى إعلان صريح عن أزمة بنيوية عميقة ومزمنة تضرب أساسات الإمبراطورية الاقتصادية.
ولم تعد المعضلة مجرد أرقام جافة يتداولها الأكاديميون، بل تحولت بقرار سياسي إلى نفق مظلم تتشابك فيه تكاليف الفوائد الراكبة مع متطلبات التمويل العسكري الضخم وتصاعد موجات التضخم التي غذتها الحروب والصراعات المشتعلة.
ويأتى ذلك في ظل انسداد سياسي كامل وغياب تام لأي استراتيجية جدية قادرة على لجم العجز المتضخم في الموازنة الفدرالية، وفق ما وثقته صحيفة “نيويورك تايمز” في تقريرها التحليلي الصادم.
ورغم أن كسر الدين العام لهذا السقف التاريخي أطلق عاصفة من التحذيرات المرعبة الصادرة عن كبرى المؤسسات المالية ومراكز الفكر الاقتصادي العالمية، فإن الاستجابة السياسية في العاصمة واشنطن ظلت مشلولة ومحدودة، إذ واصل الكونغرس الأمريكي، بمباركة الحزبين، المصادقة على حزم إنفاق تريليونية جديدة.
بينما استماتت إدارة الرئيس دونالد ترامب في الدفاع عن الميزانية الدفاعية الأكبر والأضخم في تاريخ الولايات المتحدة، مما يضع البلاد على مسار صدام مباشر مع قوانين الطبيعة الاقتصادية والجيوسياسية لعام 2026.
ونقلت المنصات الإعلامية الدولية عن “لجنة الموازنة الفدرالية المسؤولة” تأكيدها القاطع بأن وصول الدين إلى هذه المستويات المخيفة يمثل “جرس إنذار مرتفع الصوت بشكل خاص” يهدد سيادة الدولار كعملة احتياط عالمية، فيما وصفت مؤسسة “بيترسون” العريقة هذه المرحلة بأنها “محطة مالية مقلقة للغاية” تعكس تآكل الانضباط المالي للقوة العظمى.
الانزلاق نحو الهاوية المالية لعام 2056
إن الجوهر الحقيقي للمشهد المالي القاتم لا يكمن في الرقم الإجمالي للدين بحد ذاته، بقدر ما يكمن في الغياب الكامل والخطير لأي مسار سياسي أو تشريعي واضح المعالم لوقف التدفق المستمر والتصاعدي لمتوالية الديون الأمريكية، حيث اعتبر مايكل بيترسون، الرئيس التنفيذي لمؤسسة “بيترسون”، أن الفارق بين نسب الديون ليس مجرد فواصل حسابية.
واشار إلى أن الرموز الرقمية كالتنقل من 99 إلى 101 تعد أسوأ بكثير، لكن الاهتمام ينصب عليها كونها تمثل أرقاماً دائرية تبرز حجم الكارثة للرأي العام.
تراكم الديون
وتكشف القراءة التاريخية أن هذه الجبال من الديون انها تراكمت عبر عقود من السياسات النقدية والمالية الخاطئة، والتي بدأت معالجاتها منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، مروراً بالإنفاق الطارئ والضخم المصاحب لجائحة كورونا، ووصولاً إلى الارتفاع الحاد في كلفة الرعاية الصحية والاجتماعية للسكان المتقدمين في السن.
إلى جانب الإصرار السياسي على تمرير تخفيضات ضريبية متكررة وغير ممولة، مما أدى في النهاية إلى تضخم مرعب في مدفوعات الفائدة المركبة.
تجاوز حجم الاقتصاد الوطنى
وتجدر الإشارة إلى أن المرة الأخيرة التي تجاوز فيها الدين الأمريكي حجم الاقتصاد الوطني كانت عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن الدولة نجحت آنذاك في تقليصه ليصل إلى نحو 23% من الناتج المحلي بحلول عام 1974 مستندة إلى طفرة نمو قوية وتضخم مسيطر عليه وفوائض مالية حقيقية.
اما الان فتلك الادوات التى سيطرت بها سابقا تبدو مفقودة تماماً اليوم في وقت يتوقع فيه مكتب الموازنة في الكونغرس أن يندفع الدين العام ليتجاوز حاجز 175% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2056.
مدفوعات الفائدة تلتهم ميزانية البنتاغون
تزايدت الضغوط السياسية والاقتصادية على صناع القرار في واشنطن مع الارتفاع القياسي والجنوني في عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل، حيث قفزت عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً لتلامس حاجز 5.12%، وهو المستوى الأعلى والأخطر الذي تسجله الأسواق منذ عام 2007، مقارنة بنحو 1% فقط كانت تسجلها في عام 2020.
هذا الاشتعال في العوائد أدى إلى تفجير مفاجأة مالية من العيار الثقيل، حيث تجاوزت مدفوعات الفائدة الصافية الحالية على الديون حجم الإنفاق الدفاعي والعسكري الإجمالي للولايات المتحدة، مما يضطر الخزانة الأمريكية إلى الوقوع في فخ “دائرة الديون الخبيثة” عبر إصدار سندات جديدة لغرض وحيد وهو سداد فوائد الديون القائمة والقديمة.
فقدان المسار المستدام
ونقلت الأوساط المالية الدولية عن إلين زينتنر، كبيرة الاستراتيجيين الاقتصاديين في مؤسسة “مورغان ستانلي ويلث مانجمنت”، قولها إن المستثمرين والعملاء يطرحون بشكل متواصل أسئلة جوهرية ومقلقة حول ما إذا كان مسار الدين العام الأمريكي قابلاً للاستدامة من الناحية الاقتصادية، معقبة على ذلك بقولها إن الإجابة تعد من أسهل الأسئلة المطروحة، مؤكدة بشكل قاطع أن الولايات المتحدة لم تعد تسير على مسار مستدام على الإطلاق.
المقارنة بالنموذج الياباني
وفي محاولة لتبرير هذا الانفلات المالي، يحاول بعض الاقتصاديين المقربين من الدوائر الحكومية عقد مقارنات مع اليابان التي تدير ديناً عاماً أعلى بكثير، حيث قدر صندوق النقد الدولي نسبة الدين الحكومي الياباني عند نحو 201% من الناتج المحلي الإجمالي.
ودحضت تحليلات “نيويورك تايمز” هذه المغالطة تماماً بالإشارة إلى أن معظم الدين الياباني مملوك تاريخياً لمستثمرين محليين ومؤسسات داخلية مما يحمي الدولة من الإملاءات الخارجية، بينما تعتمد أمريكا بصورة خطيرة ومتزايدة على التمويل الخارجي ورؤوس الأموال الأجنبية الحساسة للتقلبات الجيوسياسية.
وفي قراءة أكثر راديكالية، أكد لورنس كوتليكوف، أستاذ الاقتصاد المرموق في جامعة بوسطن، أن الوضع المالي الحقيقي للولايات المتحدة يعد أسوأ بكثير من الوضع المالي لإيطاليا إذا جرى احتساب الالتزامات المستقبلية للضمان الاجتماعي والرعاية الصحية غير المدرجة بالكامل في أرقام الدين الرسمية.
وأطلق صرخة تحذير سياسية حين قال إنه لا يوجد أشخاص بالغون وعقلاء في غرف اتخاذ القرار داخل واشنطن، إذ لا أحد يبدو مستعداً لالتقاط أطراف المشكلة والاعتراف بوجود أزمة وجودية تعصف بالبلاد.
تضخم وحرب
تأتي هذه التحولات المالية المرعبة بالتزامن مع موجة تضخمية جديدة وعنيفة حلت بالاقتصاد الأمريكي، والتي غذتها بشكل مباشر الحرب الأمريكية الإسرائيلية المستعرة على إيران، وما نتج عنها من ارتفاعات قياسية في أسعار الطاقة العالمية واضطراب ممرات الملاحة الاستراتيجية.
تسارع مؤشرات الاسعار
وأظهرت أحدث البيانات الحكومية تسارع مؤشرات الأسعار إلى أعلى مستوياتها في ثلاث سنوات، فيما سجل مؤشر أسعار المنتجين أكبر زيادة شهرية له منذ مارس 2022، مما عمق المخاوف من أن تؤدي أسعار النفط المشتعلة والإنفاق الحكومي المتسارع إلى إبقاء أسعار الفائدة الفدرالية مرتفعة لفترات طويلة ينتج ركود تضخمي خانق.
وفي تحدٍ صارخ لهذه المعطيات، تقدم البيت الأبيض بطلب رسمي لتخصيص نحو 1.5 تريليون دولار لموازنة الدفاع لعام 2027، مسجلاً زيادة قياسية بلغت 44%، لتأمين الاحتياجات العسكرية المرتبطة بالحروب الإقليمية.
فى الوقت الذى بقي الحديث فيه محدوداً ومهمشاً حول برامج الإنفاق الاجتماعي والدعم الداخلي التي تقود الجزء الأكبر من العجز الهيكلي طويل الأمد، مما يبرز اختلال أولويات السياسة الخارجية للأمن القومي على حساب الاستقرار المعيشي للمواطن الأمريكي.
الشلل السياسي في واشنطن
ورغم تنامي القلق الشعبي العارم في الشارع الأمريكي، لا تزال التحركات السياسية داخل الكابيتول هيل مشلولة ومحدودة النطاق، حيث أظهر استطلاع حديث لمؤسسة “غالوب” أن نصف الأمريكيين تقريباً يشعرون بقلق بالغ تجاه مستويات الإنفاق الحكومي المتصاعد والعجز المالي، وتلك نسبة تعادل بدقة القلق الشعبي المرتبط بالتضخم .
لكن الواقع السياسي يثبت أن تجاوز نسبة الدين حاجز 100% من الناتج المحلي لم يخلق الصدمة السياسية المرجوة التي توقعها دعاة خفض العجز، خصوصاً مع نجاح المنظومة المالية في تأجيل الأزمة المباشرة حتى الآن عبر الاستغلال المفرط لمكانة الدولار الحاكمة عالمياً.
وفي هذا الصدد، أشار جيسون فورمان، الخبير الاقتصادي بجامعة هارفارد، إلى أن التوقعات السابقة كانت تشير إلى حتمية حدوث أسعار فائدة مرتفعة للغاية وربما أزمة اقتصادية حادة وعنيفة بمجرد وصول الديون والعجوزات إلى هذه المستويات.
واستدرك بأن عدم حدوث ذلك بشكل دراماتيكي ومباشر حتى الآن جعل خيار “عدم القيام بأي شيء” والهروب إلى الأمام هو الخيار الأسهل سياسياً للسياسيين في واشنطن، بدلاً من اتخاذ قرارات مصيرية ومؤلمة تشمل رفع الضرائب على الشركات أو خفض الإنفاق العسكري الحاشد.
السيادة الدولارية في الميزان
يرى مراقبون أن الولايات المتحدة تقامر بمستقبل نفوذها العالمي عبر تحويل ديونها إلى أداة لتمويل صراعات عسكرية عابرة للحدود، مستندة إلى فرضية واهية مفادها أن العالم سيستمر في شراء سندات الخزانة الأمريكية إلى الأبد.
إن بلوغ العائد على السندات مستويات لم تشهدها البلاد منذ الأزمة المالية العالمية لعام 2008، وتفوق كلفة الفائدة على ميزانية البنتاغون، يثبت أن النموذج المالي الأمريكي بات يتغذى على نفسه، وأن العواقب الكارثية للتضخم والحرب على جبهة إيران بدأت تلتهم المدخرات والقدرة التنافسية للاقتصاد الداخلي.
ويتبين أن غياب “الأشخاص البالغين” في غرف القرار بواشنطن والهروب المستمر من فرض ضرائب حقيقية أو كبح جماح موازنات الحرب لعام 2027، سينقل الأزمة حتماً من أروقة الحسابات المالية إلى الشارع الأمريكي في صورة اضطرابات اجتماعية وتآكل متسارع في القوة الشرائية للطبقة الوسطى.
ويعجل ذلك بظهور نظام نقدي عالمي متعدد الأقطاب ينهي الحقبة التاريخية للهيمنة الدولارية المطلقة ويسدل الستار على عصر الامتيازات المالية غير المحدودة لإمبراطورية الديون.


