ليست رواية «ابنة الضوء» للكاتبة التونسية ماجدة العرّامي مجرد عمل روائي يوثق الحرب في غزة، وإنما هي محاولة أدبية لاستعادة الإنسان من بين ركام الأخبار، وإعادة الاعتبار للأسماء والوجوه التي كثيراً ما تختزلها نشرات الأخبار في أرقام وإحصاءات. فمن خلال سرد إنساني كثيف، تنجح الكاتبة في بناء نص يوازن بين التوثيق والخيال، وبين الواقع القاسي والرمزية الشعرية، ليصبح العمل شهادة أدبية على زمن استثنائي.
الرواية، الصادرة عن دار الآن ناشرون وموزعون بالأردن عام 2026، تحمل عنواناً دالاً يختزن مفارقة العمل بأكمله؛ فالضوء هنا لا يقف في مواجهة الظلام بوصفه نقيضاً له فحسب، بل بوصفه فعلاً للمقاومة، وإصراراً على استمرار الحياة رغم الخراب.
وتدور الأحداث حول عائلة فلسطينية بسيطة تضم الحاج أحمد وزوجته فاطمة، وابنتهما ليلى، وولديهما علاء وسعيد، لتجعل من تفاصيل هذه الأسرة مرآة لتجربة مجتمع كامل يعيش تحت وطأة الحرب والحصار. لا تبحث الكاتبة عن البطولة التقليدية، بل تقدم شخصياتها باعتبارها بشراً يحملون مخاوفهم وأحلامهم وهشاشتهم الإنسانية، وهو ما يمنح الرواية صدقها العاطفي.
اختارت العرّامي بناء روايتها عبر مشاهد قصيرة تحمل عناوين مكثفة مثل: «قيامة الأرض»، و«صراخ الجوع»، و«تحت الجلد»، و«حرية منقوصة»، وصولاً إلى «العودة». هذا البناء المتشظي يحاكي واقع الحرب ذاته، حيث تتكسر الحياة إلى لحظات منفصلة، بينما يعيد القارئ تركيبها في صورة واحدة تكشف حجم المأساة واستمرار الصمود.
وتتميز الشخصيات بحضورها الرمزي إلى جانب بعدها الواقعي. فالحاج أحمد يمثل ذاكرة غزة المتجذرة، وشجرة الزيتون التي يحلم بزراعتها تتحول إلى رمز للاستمرار والثبات. أما فاطمة فتجسد الأم الفلسطينية التي تحاول حماية دفء البيت وسط العاصفة، فيما تمثل ليلى براءة الطفولة التي تداهمها الحرب قبل أن تكتمل أحلامها. وعلى الجانب الآخر، يجسد الشقيقان سعيد وعلاء وجهين مختلفين للمقاومة؛ أحدهما يوثق الألم من داخل السجن، والآخر يوثق الحياة بعدسة كاميرا في الشارع، لتصبح الكتابة والصورة معاً وسيلتين لمواجهة محاولات محو الذاكرة.
وتتجنب الكاتبة المبالغة الخطابية، معتمدة لغة مكثفة وإيقاعاً سريعاً وجملاً قصيرة تقترب من نبض الحدث، فتنتقل بالقارئ بين مشاهد الفقد والجوع والقصف دون إسهاب، لكنها تترك أثراً عاطفياً واضحاً. كما يبرز البعد الرمزي في حضور الضوء والزيتون والكاميرا بوصفها عناصر تتجاوز معناها المباشر لتصبح علامات على الهوية والذاكرة والاستمرار.
ومن أبرز نقاط قوة الرواية قدرتها على المزج بين الوثيقة الأدبية والنص الفني، فهي لا تكتفي بتسجيل وقائع الحرب، بل تمنحها بعداً إنسانياً يجعل القارئ يعيش التجربة من الداخل. ويأتي المشهد الختامي، حين يسأل علاء شقيقه سعيد عن الكاميرا، فيجيبه: «لم تنكسر»، ليشكل خاتمة رمزية تؤكد أن أدوات الشهادة على الحقيقة ما زالت قادرة على مقاومة الخراب.
ورغم أن الرواية تنطلق من سياق سياسي وإنساني شديد الخصوصية، فإنها تنجح في تجاوز حدود المكان، لتطرح أسئلة أوسع حول معنى البقاء، وقيمة الذاكرة، وقدرة الإنسان على التمسك بالأمل في أكثر اللحظات قسوة. ومن هنا تبدو «ابنة الضوء» رواية عن غزة، لكنها في الوقت ذاته رواية عن الإنسان حين يواجه الفقد، وعن الإيمان بأن الضوء، مهما خفت، يظل قادراً على شق طريقه وسط العتمة.
وبهذا المعنى، تقدم ماجدة العرّامي عملاً يجمع بين الحس الأدبي والبعد التوثيقي، ويضيف إلى الرواية العربية المعاصرة نصاً يراهن على قوة الحكاية في حفظ الذاكرة، وعلى الأدب بوصفه شكلاً من أشكال مقاومة النسيان.


