هناك أشخاص لا يملكون في حياتهم سوى نمط واحد من الظهور: الحديث المستمر عن الشهادات، المناصب، العلاقات والقدرات التي لا تظهر في الواقع.
يتحدث أحدهم عن نفسه كما لو أن الورق الذي حصل عليه يمنحه قيمة أكبر من الآخرين، بينما حين تقترب من حياته اليومية تكتشف أنه لا يملك مهارة حقيقية، ولا قدرة على التعامل مع الناس، ولا تفكيرا مستقلا يستطيع من خلاله قراءة حياته ومشكلاته.
المشكلة ليست في الشهادة الأكاديمية، بل في تحويلها إلى هوية كاملة. فالشهادة يفترض أن تكون بداية للمعرفة، وليست نهاية لها. والجامعة تمنح الإنسان أدوات أولية، لكنها لا تستطيع أن تمنحه الحكمة، ولا القدرة على إدارة حياته، ولا مهارة التواصل، ولا القدرة على تحمل المسؤولية.
خذ مثلا شخصا يحمل شهادة جامعية، وربما أكثر من شهادة، ويجلس لسنوات بلا عمل أو مشروع أو محاولة حقيقية لتطوير نفسه.
كلما دخل في نقاش بدأ بتعداد مؤهلاته: أنا خريج الجامعة الفلانية، درست التخصص الفلاني، لدي دبلوم في كذا، وأعرف فلانا وفلانا.
لكنه عندما تسأله: ماذا صنعت بهذه المعرفة؟ ماذا تعلمت من سنوات الدراسة؟ ما المشروع الذي حاولت بناءه؟ ما المهارة التي تستطيع أن تقدمها للآخرين؟ يصمت، ثم يعود إلى الحديث عن الشهادة من جديد.
هذا المثال لا يعني أن العاطل إنسان فاشل. البطالة قد تكون نتيجة ظروف اقتصادية وسياسية لا علاقة للفرد بها. لكن المشكلة تبدأ عندما يستخدم الإنسان شهادته كتعويض دائم عن غياب الفعل، ويجعلها جدارا يحميه من الاعتراف بأنه يحتاج إلى تعلم مهارات جديدة أو تغيير طريقته في التفكير.
والنمط نفسه يمكن أن يظهر في علاقتنا بالقبيلة. قد تجد شخصا يقضي ساعات في الحديث عن فساد قبيلته، ويتهم أبناءها بالجهل والانتهازية، ويعلن أنه أكثر وعيا منهم. لكن عندما تتعرض قبيلته للنقد من شخص آخر، يتحول فجأة إلى مدافع شرس عنها، ويبدأ في استخدام المنطق القبلي نفسه الذي كان يهاجمه قبل دقائق.
هذا الشخص لم يتحرر فعليا من القبيلة هو فقط غيّر موقعه داخلها. انتقل من الدفاع عنها إلى مهاجمتها، لكنه ظل يمنحها المساحة نفسها في تفكيره.
وهذا يكشف مشكلة أعمق الإنسان قد يظن أنه تجاوز الفكرة لأنه ينتقدها، بينما يكون في الحقيقة أسيرا لها. فالشخص الذي لا يستطيع الحديث عن حياته إلا من خلال قبيلته، حتى عندما ينتقد القبيلة، لا يزال يعيش داخل حدودها النفسية.
الإنسان الناضج لا يحتاج إلى تكرار شهاداته حتى يثبت قيمته، ولا إلى إهانة جماعته حتى يثبت اختلافه، ولا إلى التقليل من الآخرين حتى يشعر بأنه متفوق. قيمته تظهر في قدرته على التفكير، والعمل، والتعلم، وتحمل المسؤولية، ومراجعة نفسه عندما يكتشف أنه أخطأ.
ليست المشكلة أن يكون الإنسان عاطلا، ولا أن تكون إمكانياته محدودة في مرحلة من حياته. المشكلة أن يتحول العجز إلى شخصية، وأن يصبح الكلام عن الإمكانيات بديلا عن تطويرها.
المرض الحقيقي يبدأ عندما يفقد الإنسان القدرة على رؤية نفسه كما هي. عندها يصبح كل نقد للآخرين محاولة لإخفاء عيوبه، وكل شهادة وسيلة لتعويض نقصه، وكل حديث عن الإنجازات ستارا لحياة لا تحتوي على إنجاز حقيقي.
فالإنسان لا تقاس قيمته بما يحمله من أوراق، ولا بعدد المرات التي يتحدث فيها عن نفسه، بل بما يضيفه إلى الحياة حين يتوقف عن الكلام ويبدأ بالفعل.


