ليست ازمة المجتمعات العربية في وجود الدين، ولا في ظهور العلمانية، وانما في الطريقة التي تحولت بها العلاقة بينهما الى صراع على المجتمع والدولة.
ومن السهل اختصار المشهد في عبارة جاهزة: الإسلاميون يريدون دولة دينية، والعلمانيون يريدون اقصاء الدين.
لكن هذه الصيغة تخفي السؤال الأهم: من يملك حق تحديد شكل الدولة، ومن يقرر حدود الدين في السياسة، ومن يملك سلطة تعريف المقبول والمرفوض في حياة الناس؟
أطروحتي هنا واضحة: الصدام بين التنظيمات الإسلامية والتيارات العلمانية في العالم العربي ليس خلافا عقائديا فقط، بل هو صراع على السلطة والشرعية والمجال العام، ويتحول الى ازمة حين يحاول أي طرف تحويل رؤيته الخاصة الى قاعدة ملزمة للجميع.
العلمانية لا تعني الإلحاد
العلمانية في أصلها السياسي لا تعني بالضرورة الإلحاد ولا تعني طرد الدين من المجتمع. جوهرها ان الدولة لا ينبغي ان تكون ملكا لعقيدة واحدة، وان المواطن لا يفقد حقوقه بسبب دينه أو مذهبه او موقفه الفكري.
لكن هذا المفهوم تعرض لتشويه من الطرفين. بعض التنظيمات الإسلامية قدمت العلمانية كأنها مشروع للقضاء على الإسلام،
وبعض العلمانيين تعاملوا مع التدين الشعبي كأنه بقايا تاريخية يجب التخلص منها. وفي الحالتين ضاع المواطن بين خطابين يريد كل واحد منهما ان يحدد له كيف يفكر.
المشكلة تبدأ عندما ينتقل الدين من مساحة الاعتقاد الى ادعاء امتلاك الدولة. الايمان شأن شخصي، أما السلطة فهي شأن عام.
وحين يقول حزب سياسي للناس ان برنامجه يمثل الدين، يصبح خصمه في موقف صعب هل يعارض البرنامج ام يعارض الدين؟
هنا تستخدم القداسة كدرع سياسي. وهذه واحدة من أخطر مشكلات الإسلام السياسي تحويل الخلاف السياسي الى خلاف ديني، وتحويل المعارضة من حق سياسي الى شبهة أخلاقية او عقائدية.
لكن الخطأ المقابل لا يقل خطورة.
حين يتعامل بعض العلمانيين مع كل حضور للدين في المجتمع باعتباره خطرا، يتحول الدفاع عن حياد الدولة الى محاولة للسيطرة على المجتمع.
ليس من حق الدولة ان تجبر شخصا على التدين، وليس من حقها أيضا ان تجبره على إخفاء دينه.
العلمانية التي تمنع المواطن من ممارسة معتقده لا تحمي الحرية؛ انها تستبدل وصاية بوصاية.
التجربة المصرية بعد 2011 تكشف حجم المشكلة.
صعدت جماعة الاخوان المسلمين سياسيا بعد سقوط حسني مبارك، وفاز حزب الحرية والعدالة بعدد كبير من مقاعد البرلمان، ثم وصل محمد مرسي الى الرئاسة في 2012.
لم يكن الصراع حول الحكومة فقط، بل حول شكل الدولة وموقع الشريعة والهوية الدينية في الدستور.
دستور 2012 نص على ان الإسلام دين الدولة وان مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع،
وهو ما اعتبرته قوى إسلامية تعبيرا عن هوية المجتمع، بينما خافت قوى ليبرالية وعلمانية ومسيحية من استخدام هذه المرجعية لتقييد بعض الحقوق والحريات.
الخلاف كشف أن المشكلة لم تكن في وجود الدين داخل المجتمع، بل في تحويل مرجعية الأغلبية الدينية الى سؤال عن حقوق الجميع.
لكن التجربة المصرية كشفت شيئا اخر:
سقوط نظام استبدادي لا يعني تلقائيا ظهور نظام ديمقراطي مستقر.
عندما تكون المؤسسات ضعيفة، يصبح الصراع على الهوية أكثر حدة، ويصبح الدين والعلمانية أدوات في معركة السلطة.
وفي النهاية لا يستطيع أي طرف بناء دولة مستقرة اذا تعامل مع نصف المجتمع باعتباره خصما يجب اقصاؤه.
تونس قدمت مسارا مختلفا.
حركة النهضة دخلت الحياة السياسية بعد الثورة، وشاركت في ائتلافات مع قوى علمانية،
وظهر في دستور 2014 الجمع بين النص على الإسلام كدين للدولة والتأكيد على مدنية الدولة والمواطنة وحرية الضمير والمعتقد.
التجربة لم تكن خالية من الصراع، لكنها اثبتت ان الإسلامي والعلماني يستطيعان التفاوض عندما يقتنع الطرفان بان الدولة ليست غنيمة سياسية.
المشكلة تبدأ عندما يصبح التوافق مجرد هدنة مؤقتة ينتظر كل طرف بعدها فرصة الغاء الطرف الاخر.
المرأة كانت ولا تزال واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية. النقاش حول الحجاب والميراث والزواج والطلاق والحضانة تحول في كثير من الأحيان الى اختبار للهوية.
الإسلامي يرى في بعض القضايا دفاعا عن الشريعة، والعلماني يرى فيها دفاعا عن المساواة.
لكن المرأة نفسها تضيع وسط هذا الصراع عندما يصبح جسدها وملابسها وحياتها الخاصة مادة للمزايدة السياسية.
لا يجوز لاحد ان يجبر امرأة على ارتداء الحجاب باسم الدين، كما لا يجوز لاحد ان يجبرها على خلعه باسم العلمانية.
الحرية تفقد معناها عندما يقرر المجتمع شكلها نيابة عن صاحبها.
والامر نفسه ينطبق على الفن. حين يرى تيار ديني ان عملا فنيا يسيء الى معتقده، فله الحق في الاعتراض والنقد والمقاطعة. لكنه لا يملك حق تحويل اعتراضه الى عنف.
وفي المقابل، حرية الفنان لا تعني ان المجتمع مطالب بالتصفيق لكل ما يقدمه.
يمكن رفض العمل أخلاقيا وفنيا دون تحويل الرفض الى قمع. الدولة مطالبة هنا بحماية القانون لا بحراسة مشاعر جماعة واحدة.
المسجد أداة سياسية
المسجد أيضا يمكن ان يتحول الى أداة سياسية عندما تستخدم المنابر لتوجيه الناخبين نحو حزب أو مرشح باسم الدين.
في هذه اللحظة لا يعود الامر دعوة دينية، بل يصبح استغلالا للثقة الدينية في المنافسة السياسية.
المتدين له كامل الحق في تأسيس حزب والمشاركة في الانتخابات، لكن حزبه يجب ان يخضع للقواعد نفسها التي يخضع لها الحزب العلماني.
لا عصمة سياسية لبرنامج لأنه يحمل مرجعية دينية.
العلمانية ليست امتيازًا سياسيًا
وفي الجانب الاخر، لا ينبغي ان تتحول العلمانية الى امتياز سياسي. الحزب العلماني ليس أكثر ديمقراطية لمجرد انه علماني.
قد يكون ديمقراطيا وقد يكون مستبدا. وقد يكون الحزب الديني ديمقراطيا في بعض ممارساته وقد ينزلق الى الاستبداد في ممارسات أخرى.
المعيار هو احترام القانون والحريات وحقوق الخصوم، لا الاسم الذي يضعه الحزب على نفسه.
تظهر أزمة المثقف العربي.
بعض المثقفين الإسلاميين يكتبون عن الحرية ثم يخافون من نقد المقدس، وبعض المثقفين العلمانيين يتحدثون عن التنوير ثم يمارسون احتقارا طبقيا وثقافيا تجاه المتدينين.
كلاهما قد يستخدم المعرفة كسلاح اجتماعي. الفارق بين المثقف الحقيقي والداعية الأيديولوجي ليس في عدد الكتب التي قرأها، بل في قدرته على مراجعة نفسه عندما يواجه فكرة لا تعجبه.
الفلسفة مهمة هنا لأنها لا تمنح أحدا حصانة. نيتشه هاجم القيم التي تتحول الى اصنام، وفوكو بحث في العلاقة بين المعرفة والسلطة، وسيوران شكك في قدرة الانسان على التخلص من اوهامه.
هذه الأفكار لا تقول لنا ماذا نؤمن، لكنها تدفعنا الى سؤال أكثر ازعاجا هل ندافع عن الحقيقة، ام ندافع عن حاجتنا النفسية الى امتلاكها؟
وهذه النقطة تكشف جوهر المشكلة. بعض الإسلاميين لا يريدون فقط ان يعيشوا دينهم، بل يريدون ان تصبح رؤيتهم للدين قانونا عاما.
وبعض العلمانيين لا يريدون فقط حياد الدولة، بل يريدون أحيانا تحويل العلمانية الى معيار لتحديد من هو المتحضر ومن هو المتخلف. في الحالتين توجد رغبة في تصنيف الناس والسيطرة عليهم.
المجتمع العربي يحتاج الى دولة تعرف حدودها
المجتمع العربي لا يحتاج الى معركة جديدة بين مؤمنين وعلمانيين. يحتاج الى دولة تعرف حدودها.
الدولة التي تدخل في عقيدة المواطن تتحول الى سلطة على الضمير، والدولة التي تسمح لجماعة دينية باحتكار التشريع تتحول الى سلطة على المختلف، والدولة التي تستخدم العلمانية لقمع الدين تفعل الشيء نفسه بلغة أخرى.
المطلوب ليس الغاء الدين من المجتمع ولا تسليم المجتمع للدين السياسي.
المطلوب بناء مجال عام يستطيع فيه المسلم والمسيحي واللاديني والمحافظ والليبرالي واليساري ان يعيشوا كمواطنين متساوين.
قد يختلفون في تفسير الحياة والموت والأخلاق، لكنهم لا يختلفون حول حق بعضهم في الوجود.
ويجب ان نكون أكثر قسوة في نقد الطرفين:
الذي يريد فرض الدين بالقوة لا يدافع عن الدين بقدر ما يستخدمه للوصول الى السلطة. والذي يريد اقتلاع الدين من المجال الاجتماعي لا يدافع بالضرورة عن العقل بقدر ما يمارس وصاية جديدة. كلاهما يريد انسانا مصمما على مقاسه.
الحداثة ليست ان تخلع دينك، وليست ان ترفع شعار العلمانية. الحداثة ان تستطيع ان ترى إنسانا يختلف عنك دون ان تعتبر وجوده مشكلة.
والعقلانية ليست ان تنتصر في النقاش، بل ان تكون مستعدا لاكتشاف خطئك. والحرية ليست ان تقول ما تريد فقط، بل ان تقبل ان يعيش بجوارك شخص يعتقد عكس ما تعتقد.
لهذا فالسؤال الحقيقي ليس: هل نريد دولة إسلامية ام علمانية؟
السؤال أكثر صعوبة هل نستطيع بناء دولة لا تمنح أي جماعة حق امتلاك الحقيقة السياسية وحدها؟
إذا كانت الإجابة نعم، يصبح الدين جزءا من المجتمع دون ان يتحول الى أداة لاحتكار الدولة، وتصبح العلمانية وسيلة لحماية التعدد دون ان تتحول الى عقيدة تقمع التدين. ليست في المسلم ولا في العلماني.
المشكلة في الانسان حين يحصل على سلطة يعتقد معها ان اختلاف الاخر خطأ يجب إصلاحه. عندها يتحول الدين الى سلطة، والعلمانية الى سلطة، والثقافة الى سلطة، ويصبح المجتمع كله سجنا كبيرا يتنافس فيه السجانون على مفاتيح الأبواب.


