تكتسب زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى سمرقند في أوزبكستان، يومي 18 و19 أكتوبر 2026، أهمية تتجاوز التعاون التجاري والاستثماري المعلن، إذ تفتح باباً للتساؤل حول ما إذا كانت واشنطن تسعى إلى بناء شراكات متوازنة مع جمهوريات آسيا الوسطى الخمس، أم إلى توسيع نفوذها في منطقة ترتبط بوشائج تاريخية وثقافية ودينية، وتتمتع بأهمية استراتيجية بين روسيا والصين وإيران.
وتضم المجموعة كازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان، وهي جمهوريات كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي حتى انهياره عام 1991، وتتميز بغالبية مسلمة، فيما تنتمي اللغات الرسمية في أربع منها إلى الأسرة التركية، بينما يتحدث الطاجيك اللغة الفارسية. وتمنح هذه الروابط التاريخية والثقافية المنطقة عناصر تقارب مهمة، وإن لم تجعلها كتلة سياسية متجانسة أو تحالفاً موحداً في جميع الملفات.
وجاءت زيارة روبيو في إطار صيغة التعاون المعروفة باسم «سي 5+1»، التي تجمع الولايات المتحدة بالجمهوريات الخمس. ووفقاً للتغطيات المنشورة في 18 أكتوبر، رافق الوزير الأمريكي وفد تجاري كبير يضم أكثر من مئتي ممثل عن الشركات الأمريكية، وسط اهتمام بفرص الاستثمار في المعادن الاستراتيجية والطاقة والنقل والتصنيع.
لكن هذا الانفتاح الأمريكي يحمل وجهين ينبغي التمييز بينهما. فمن جهة، تحتاج دول المنطقة إلى شركاء اقتصاديين جدد، واستثمارات تتيح لها تطوير البنية التحتية والصناعات المحلية، وتقليل اعتمادها على عدد محدود من الأسواق. ومن جهة أخرى، فإن دخول قوة دولية كبرى إلى منطقة تتنافس فيها موسكو وبكين على النفوذ قد يغير حسابات العلاقات بين جمهورياتها، خصوصاً إذا ارتبط التعاون الاقتصادي بتفاهمات سياسية وأمنية أو بمواقف تتعارض مع مصالح بعض دول الجوار.
هل تتحول الشراكة إلى وسيلة لاختراق التماسك الإقليمي؟
لا يوجد دليل كافٍ على أن الزيارة الأمريكية تستهدف تفكيك العلاقات بين الدول الخمس، ولذلك لا يصح تقديم هذا الاحتمال باعتباره هدفاً أمريكياً معلناً أو حقيقة مؤكدة. لكن من المشروع سياسياً واستراتيجياً التساؤل عن الآثار المحتملة لتوسيع العلاقات الثنائية مع كل دولة على حدة، في ظل التنافس الدولي على الموارد والممرات التجارية والاصطفافات السياسية.
فإذا حصلت دولة على امتيازات استثمارية أو أمنية كبيرة مقابل مواقف سياسية محددة، بينما واجهت دولة مجاورة ضغوطاً مختلفة، فقد تتباين أولويات الحكومات وتتراجع فرص التنسيق بينها. وقد يؤدي التنافس على جذب الشركات والتمويل الخارجي إلى تقديم المصالح الوطنية المباشرة على المشروعات الإقليمية المشتركة.
وهذا هو الجانب الذي يستحق المتابعة: ليس مجرد زيارة مسؤول أمريكي، بل طبيعة الاتفاقات التي ستنتج عنها، ومدى ارتباطها بشروط سياسية أو أمنية، وما إذا كانت ستدعم التعاون بين الجمهوريات الخمس أم ستعزز علاقات منفصلة لكل منها مع واشنطن.
وفي المقابل، فإن تعزيز العلاقات الثنائية لا يعني تلقائياً إضعاف التماسك الإقليمي. تستطيع دول آسيا الوسطى استخدام التنافس بين القوى الكبرى لتوسيع خياراتها التفاوضية، والحصول على استثمارات وتقنيات جديدة، شريطة ألا تتحول المنافسة بينها إلى عامل يضعف مصالحها المشتركة.
التاريخ السوفياتي والروابط الإسلامية والتركية
خرجت الجمهوريات الخمس من الاتحاد السوفياتي باستقلال سياسي، لكنها احتفظت بروابط اقتصادية وأمنية وبنية تحتية وشبكات نقل وطاقة تشكلت على مدى عقود. كما بقيت اللغة الروسية حاضرة بدرجات متفاوتة في الحياة الاقتصادية والإدارية، فيما استمرت علاقات الهجرة والعمل والتجارة في ربط عدد من هذه الدول بروسيا.
وفي الوقت نفسه، تمتلك المنطقة رصيداً حضارياً إسلامياً عميقاً، ارتبط بمدن مثل سمرقند وبخارى، وبطرق التجارة والعلم التي ربطت آسيا الوسطى بالعالم الإسلامي. كما تجمع كازاخستان وأوزبكستان وقرغيزستان وتركمانستان روابط لغوية وثقافية تركية، تعززها أطر للتعاون بين الدول الناطقة بالتركية، من أبرزها منظمة الدول التركية.
غير أن هذه الروابط لا تعني أن الدول الخمس تتبنى موقفاً واحداً من الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين. فطاجيكستان، على سبيل المثال، تختلف لغوياً عن الجمهوريات التركية الأربع، كما تتباين مصالح الدول في الطاقة والأمن والسياسة الخارجية. وتظل المصالح الوطنية لكل حكومة عاملاً رئيسياً في تحديد علاقاتها الدولية.
ومن هنا، فإن السؤال الأهم هو ما إذا كانت هذه الدول ستستثمر الروابط التاريخية والثقافية في بناء تعاون اقتصادي وسياسي أكثر فاعلية، أم ستظل علاقاتها الخارجية تتحرك بصورة منفصلة، بما يجعل كل دولة أكثر عرضة للضغوط الثنائية من القوى الكبرى.
المعادن والطاقة في قلب المنافسة
تمتلك آسيا الوسطى احتياطيات مهمة من اليورانيوم والغاز الطبيعي والنفط والمعادن التي تدخل في الصناعات الحديثة. وتريد الولايات المتحدة تنويع مصادر حصولها على المواد الخام وتقليل مخاطر الاعتماد على سلاسل توريد تهيمن عليها الصين، بينما تسعى الجمهوريات الخمس إلى اجتذاب استثمارات تساعدها على زيادة عائداتها وتطوير اقتصاداتها.
وفي تحليل نشره مركز توران للأبحاث في 15 أكتوبر، تناول الباحث رافائيل ساتاروف، الزميل البحثي بالمركز، الفروق بين احتياجات الأسواق الأمريكية وقدرات دول المنطقة. وخلص التحليل إلى أن تحويل الموارد الطبيعية إلى مكاسب اقتصادية مستدامة يتطلب أكثر من تغيير وجهة التصدير؛ إذ تحتاج المنطقة إلى معالجة محلية للمواد الخام، وبيئة قانونية يمكن التنبؤ بها، ووسائل نقل موثوقة وطاقة مناسبة التكلفة.
وتثير هذه الملاحظة مسألة مهمة بالنسبة إلى الحكومات والمواطنين: هل ستؤدي الاتفاقات الجديدة إلى إنشاء صناعات ومراكز تصنيع وتوفير وظائف محلية، أم ستقتصر المكاسب على استخراج الموارد وتصديرها؟ فالإجابة ستحدد مقدار الفائدة التي ستعود على المجتمعات المحلية، كما ستوضح ما إذا كانت الشراكة الأمريكية تقدم نموذجاً تنموياً مختلفاً أم تكتفي بتأمين احتياجاتها من المواد الاستراتيجية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن الصين أصبحت شريكاً تجارياً رئيسياً لدول المنطقة، وأن روسيا ما زالت تتمتع بروابط اقتصادية وأمنية راسخة معها. لذلك لا تستطيع واشنطن افتراض أن توسيع حضورها سيؤدي تلقائياً إلى تراجع نفوذ منافسيها، كما لا تستطيع دول آسيا الوسطى تجاهل كلفة أي تحول حاد في علاقاتها القائمة.
ماذا تعني الزيارة لمستقبل المنطقة؟
يرى الاتجاه المؤيد للانفتاح على الولايات المتحدة أن تنويع الشركاء يمنح دول آسيا الوسطى مساحة أوسع للمناورة، ويقلل اعتمادها على قوة واحدة، ويفتح المجال أمام التمويل والتكنولوجيا والأسواق الجديدة. ومن هذا المنظور، فإن استقبال الاستثمارات الأمريكية ليس تخلياً عن الهوية الإسلامية أو الروابط التركية، بل استخدام للأدوات الاقتصادية لخدمة التنمية الوطنية.
أما الاتجاه الحذر، فيلفت إلى أن التنافس بين القوى الكبرى لا يدور حول الاستثمار وحده، بل يشمل النفوذ السياسي والتحكم في الموارد والممرات الاستراتيجية. ويخشى أصحاب هذا المنظور أن تؤدي الصفقات المنفصلة والضغوط السياسية إلى تعميق التباينات بين الدول الخمس، أو دفع بعضها إلى اتخاذ مواقف تتعارض مع مصالح جيرانها.
والرأيان لا يتناقضان بالضرورة في كل جوانبهما؛ إذ يمكن للدول أن تنفتح اقتصادياً على واشنطن، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع موسكو وبكين، وتدعم تعاونها مع الدول التركية والإسلامية. لكن نجاح هذا النهج يتطلب تنسيقاً إقليمياً، وشفافية في الاتفاقات، وعدم ربط الاستثمارات بشروط تنتقص من استقلال القرار الوطني.
وستكون المؤشرات العملية أكثر أهمية من التصريحات الدبلوماسية: هل تتضمن الاتفاقات مشروعات إنتاجية واضحة؟ هل تنقل التكنولوجيا وتوفر فرص عمل؟ هل تعزز شبكات النقل والتجارة بين الجمهوريات الخمس؟ وهل تحافظ الحكومات على قدرتها على اتخاذ قرارات مستقلة في السياسة الخارجية؟
الخلاصة
لا تكفي زيارة روبيو وحدها لإثبات وجود خطة أمريكية لتفكيك تماسك آسيا الوسطى، لكنها تكشف عن اهتمام متزايد بمنطقة تجمع بين الثروات الطبيعية والموقع الاستراتيجي والروابط التاريخية الإسلامية والتركية.
والخطر المحتمل لا يكمن في التعاون مع الولايات المتحدة بحد ذاته، بل في أن تتحول المنافسة الدولية إلى عامل يدفع الجمهوريات الخمس إلى التباعد، أو يجعل مواردها واتفاقاتها أدوات لخدمة مصالح خارجية على حساب التنمية المشتركة.
وفي المقابل، تستطيع دول المنطقة تحويل التنافس الأمريكي الروسي الصيني إلى فرصة إذا نسقت مواقفها، وطورت مشروعات مشتركة، وربطت الاتفاقات الخارجية بمصالح شعوبها. وعندها لن تكون الروابط التاريخية والثقافية مجرد إرث حضاري، بل عنصراً يساعدها على حماية استقلال قرارها وتحقيق توازن بين الشراكات الدولية ومصالحها الإقليمية.
المصادر:
وكالة أسوشيتد برس .
موقع يورونيوز .
موقع الجزيرة الإنجليزية .
مركز توران للأبحاث .


