فكرة النفور التام من الإسرائيليات في التفسير تضخمت كثيرا عند المعاصرين وبالغوا في النكير عليها رغم ما فيها من فوائد، وإن كانت ثانوية وليست مركزية في تفسير كتاب الله تعالى، لكنها تظلّ فوائد مهمة في باب الاستئناس والترجيح.
وفي القرآن نفسه إشارات واضحة فتحتْ هذا الباب كقوله تعالى: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ}، وقوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ}. فضلا عن الحديث المعروف “حدّثوا عن بني إسرائيل ولا حَرج” (أخرجه أحمد وأبو داود).
ويعنيني على المستوى الشخصي جانب “الترجيح” و”الاستئناس”، أي أن تكون هذه الروايات على سبيل ترجيح تفسير على آخر، أو زيادة الاستئناس أو التوثيق لتفسير معيّن. وما ألاحظه أنّه كثيرًا ما يكون الأثر المرويّ عن بني إسرائيل مؤيّدًا لرأي الجمهور.
وآخر دراساتي في الباب كانت حول تفسير الجمهور لقوله تعالى عن عيسى عليه السلام: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإنْجِيلَ} (آل عمران: 48). فقد ذهب الجمهور إلى أنّ المقصود بالكتاب هو الكتابة أو الخطّ. وقد استهجن بعض الأعاجم المعاصرون (من الشحارير تحديدًا) هذا التفسير لجهلهم بالعربية، واستطالوا على الناس بهذا الذي حسبوه “غير معقول”! لكن بعيدًا عن ملاءمة قول الجمهور للعربية وللسياق الخاص والعام المتعلّق بعيسى عليه السلام وبالسورة، فقد وجدت ما يشهد لقول الجمهور من أقوال أهل الكتاب.
لدينا أولا رواية عن سعيد بن جبير نقلها مفادها أن عيسى عليه السلام كان يعرف الأحرف الأبجدية قبل أن يعلّمه إيّاها معلّم الصبيان، بل قاله عنه ذلك المعلّم: “كيف أُعلّم من هو أعلم منّي”؟ وفي رواية أخرى عند ابن المنذر عن ابن إسحاق “فكان عند رجل من المكتبيين يعلّمه كما يعلّم الغلمان، ولا يذهب يعلّمه شيئا مما يعلمهم إلّا بَدَرَهُ على عِلْمه قبل أن يُعلّمه إيّاه”.
لكن المفاجأة كانت في ما يسمى “إنجيل الطفولة لتوما”، وهو إنجيل غير قانوني (أبوكريفي) يعود تاريخ كتابته إلى القرن الثاني الميلادي، وقد تفرّد عن جميع الأناجيل القانونية بقصة خلق الطير من الطين المذكورة في كتاب الله تعالى وهو أقدم مصدر بشري لها. وفيه أيضًا أنّ المعلم زكا أراد تعليم المسيح عليه السلام “الحروف الهجائية وكتب الحكمة” (تأمّل)، فيظهر أن المسيح قد تفوّق عليه وشرع في وصف الحروف وخطوطها وطريقة كتابتها. وقد وثق هذه القصّة أيضًا القديس إيرينيوس (130-202 م) في كتابه “ضدّ الهرطقات”.
والخلاصة أنّ دراسة الإسرائيليات مفيدة في هذا الباب وتنسجم مع توجيهات القرآن والرسول صلى الله عليه وسلّم التي ذكرتُها في أول المنشور.
ومن أراد التوسّع في معنى كتاب عيسى وحكمته وسبب كون تفسير الجمهور هو التفسير الأقوى مع النقول الكاملة والمراجع فليقرأ دراستي حول الموضوع «كتاب عيسى وحكمته: دراسة في منهجية التفسير العلمي»


