ليس سرّا ما يحدث في الأوساط الدعوية من تضخيم التهم التبديعية و”تبهيرها” وانتشار الشائعات: فلان شيعي، لم يكن يصلي في المسجد، كان مؤيدا لكذا، درس في كذا، أنا بنفسي كان لي معه موقف كذا.. وغيرها من القصص التي يكون لبعضها أصول ويكون بعضها قد تضخّم بالتناقل ومع وجود بيئة نفسية قابلة للتضخيم!
وهذه آفة عامة في تاريخنا الإسلامي مع الأسف: ضُرب الإمام النَّسائي وأوذي في الشام لاتهامه بالتشيّع وموقفه من فضائل أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه!
وحذّروا من البخاري وأخرجوه من عدة بلدان ومات منفيّا لأنّه اتُّهم بالقول ببدعة اللفظية.
واتُّهم الطبري من طرف حنابلة بغداد أنّه رافضي ومنعوا الناس من الدخول عليه واشتدّ الأذى عليه.
وغير هؤلاء كثير من العلماء الفضلاء ممن اتهموا تهمًا إما أن تكون باطلة، أو يكون لها طرف لا يمتّ للتهمة بصورتها المضخّمة بصلة. كالحكيم الترمذي مثلا، الذي كان يقول بوجود ختم للأولياء، فاتُّهم بتقديم الأولياء على الأنبياء وهو كفر (برّأه من هذه التهمة ابن تيمية والذهبي). ومن الطريف أنّ أحد المحقّقين الكبار حين قرأ عبارة واضحة للحكيم الترمذي في أحد كتبه ينفي فيها هذا المعتقد الفاسد، ذهب إلى أنّ هذه العبارة ربّما تكون قد أُدخلتْ لاحقًا!
وهذا مع الأسف لم يتغيّر في عصرنا، وتحديدًا في الأوساط الدعوية. ومن الطرائف التي حدثت معي شخصيا (وأنا “لاش اللاش” كما يقول الصوفية) أنني كنت في مطلع الشباب أعقد بعض الدروس في مساجد بلدي في التوحيد ومقتضياته، فأثار ذلك حفيظة بعض المجموعات الدعوية الناشطة في البلد، ومن بينها المداخلة. فناظرني أحدهم في السوق، وحين رفضت أن أردّد عبارة عقائدية مبتدعةً يريد إلزامي بها، لأني لم أجدها وردت عن القرون المفضّلة الأولى من الصحابة وأُسقط في يده؛ روّج أنّني “معتزلي” ووزّع الكتب في التحذير من المعتزلة!
وفي هذا الصدد لدي نصيحتان:
– لا تعرف اعتقاد الرجل ممّا يقوله عنه خصومه، بل اقرأ مقولاته أو مقولات تلاميذه وأنصاره واحكم عليها بنفسك.
– اعترض على الجَور حتى لو حلّ على خصمك، بل تحديدًا إذا حلّ على خصمك، فإنْ لم تفعل بحجّة أنّه “مبتدع” فقد يأتي اليوم الذي يحلّ الجَور عليك ولا تجد لك ناصرًا أو معينًا.


