في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تختلط فيها الحسابات السياسية بإعادة ترتيب أولويات الاقتصاد في الشرق الأوسط، دشنت السعودية وسورية مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية عنوانها الاستثمار وإعادة الإعمار.
توقيع خمس اتفاقيات استراتيجية بمليارات الريالات لا يُقرأ فقط كحدث اقتصادي، بل كمؤشر على تحولات جيوسياسية أوسع، حيث تتحول دمشق من ساحة صراع إلى ساحة تنافس استثماري، وتضع الرياض نفسها لاعبًا رئيسيًا في صياغة مستقبل الاقتصاد السوري بعد سنوات من العزلة والعقوبات.
هذه الخطوة تعكس مقاربة سعودية تقوم على استخدام القوة الاقتصادية كأداة استقرار إقليمي، في وقت تسعى فيه سورية إلى إعادة دمج نفسها في النظام الاقتصادي العربي والدولي.
مطار حلب.. بوابة إعادة الإعمار
أبرز ما حملته الاتفاقيات كان إعلان وزير الاستثمار السعودي المهندس خالد الفالح عن مشروع تطوير مطار حلب عبر صندوق “إيلاف” بقيمة 7 مليارات ريال، وهو مشروع يتجاوز كونه تطويرًا تقنيًا لمرفق جوي، ليصبح رمزًا لعودة سورية إلى شبكة النقل الإقليمي.
خبراء في اقتصاد النقل يرون أن مطارات ما بعد النزاعات تتحول إلى مؤشرات مبكرة على التعافي الاقتصادي، وان إعادة تأهيل مطار بحجم مطار حلب تعني إعادة ربط شمال سورية بالاقتصاد الإقليمي، وهو ما ينعكس مباشرة على التجارة والسياحة والاستثمار.
كما أن تأسيس شركة طيران مشتركة تحت اسم “ناس سورية” يفتح الباب أمام نموذج شراكات تشغيلية جديدة، تجمع رأس المال الخليجي بالبنية التحتية السورية، بما يعيد تنشيط قطاع الطيران المدني الذي تضرر بشدة خلال سنوات الحرب.
40 مليار ريال.. اقتصاد الشراكات الكبرى
وكشف الفالح أن إجمالي الاتفاقيات ومذكرات التفاهم بين البلدين تجاوز 80 اتفاقية بقيمة تفوق 40 مليار ريال، وهو رقم يعكس انتقال العلاقة من مرحلة التفاهم السياسي إلى التنفيذ الاقتصادي واسع النطاق.
وهذا يعنى وفقا لخبراء بالاقتصاد أن السعودية لا تدخل كسوق عابر، بل كشريك طويل الأمد في إعادة تشكيل الاقتصاد السوري، خصوصًا في قطاعات البنية التحتية والطاقة والاتصالات”.
وشملت الاتفاقيات قطاعات استراتيجية مثل الطيران، والصناعة، والمياه، والاتصالات، والبنية التحتية، ووهي قطاعات تُعد أساس أي عملية تعافٍ اقتصادي مستدام، وتخلق بيئة جاذبة لرأس المال الخاص.
الاتصالات والمياه.. استثمار في الاستقرار الاجتماعي
اتفاقية “سيلك لينك” بين شركة stc السعودية ووزارة الاتصالات السورية تمثل خطوة نوعية نحو تحديث البنية الرقمية السورية، وهو ما يراه خبراء التنمية شرطًا أساسيًا لدمج الاقتصاد السوري في الاقتصاد الرقمي العالمي.
كما أن مشاريع تحلية ونقل المياه بقيادة شركات سعودية تعالج أحد أكثر الملفات حساسية في سورية، وهو الأمن المائي.
رفع العقوبات.. نقطة التحول الكبرى
تأتي هذه الاستثمارات بوصفها الأكبر منذ رفع العقوبات الأمريكية، بعد إلغاء “قانون قيصر”، وهو تطور وصفه مراقبون بأنه لحظة فاصلة في مسار الاقتصاد السوري.
ويرى المراقبون أن رفع العقوبات فتح الباب أمام سباق استثماري عربي ودولي في سورية، والسعودية تتحرك بسرعة لتثبيت موقعها كشريك استراتيجي أول في مرحلة ما بعد العقوبات.
رسائل سياسية بغطاء اقتصادي
زيارة الوفد السعودي رفيع المستوى إلى دمشق تحمل رسائل تتجاوز الأرقام والعقود، فهي إعلان عن عودة العلاقات العربية-السورية إلى مسار الشراكة، وتأكيد على أن الاقتصاد أصبح أداة رئيسية في هندسة التوازنات الإقليمية.
الاستثمار هنا ليس مجرد ضخ أموال، بل إعادة صياغة شبكة مصالح مشتركة تجعل الاستقرار خيارًا اقتصاديًا مربحًا لجميع الأطراف.
الصفقات المشتركة
الصفقات السعودية في سورية تمثل أكثر من مجرد مشاريع بنية تحتية أو شركات مشتركة؛ إنها بداية مرحلة إعادة تموضع اقتصادي وسياسي في المنطقة.
الرياض تراهن على أن الاستثمار يمكن أن يكون لغة المصالحة والتنمية، ودمشق تراهن على أن الشراكات العربية قادرة على تسريع التعافي وخلق فرص العمل وتحسين الخدمات.


