كلّ أهل التخصُّص يعلم ويؤمن أن الاستشراف من العلوم التجريبيّة، وليس من العلوم الدينيّة واللاهوتيّة؛ وهو الحال هذه مَثَله مِثل الدّراسات التخصُّصية كعلم الإحصاء؛ وبالتّالي، فهو يخضع للصّواب والخطأ، ويخضع تحت كافّة نسب الاحتمالات من حيث الصّوابيّة والخطأ.
وكونك ترفض هذا، وترفعه لمناط القَطع واليقين، يفيد بأنّك لا تعلم أسس بناء المناهج العلميّة، ولا دراية لك بها.
وليس ذنبي أن تخضع كلامي لتصوُّرات في ذهنك بأن الاستشراف علم قَطعيّ وغيبيّ أو كهانة أو رجم؛ ولو جالستَ أحدًا من أهل العلم في علم الاستشراف، ستعلم أنّه علم احتمالات، وما يرشحه أيّ كاتب عن حدث بعينه مجرد احتمال فحسب، فإذا وقع على شكله الذي استشراف به أو بزيادة أو نقص، فحينئذ نقول: هذا استشراف صائب، وبنسبة مؤيدة كذا؛ وإذا لم يقع فنقول: خاطئ فقط؛ وهو لا يضرّ أحدًا، ولا يتحكّم في مصائر أمم، ولا يتعلّق بعقيدة أحد، ولا يدعو الناس لفعل شيء، ولكنه لأخذ الحيطة، والحيطة لا تضرّ أحدًا، فهي كالحمية في الغذاء.
وهذه أمور لا تتعلّق بدين، ولا شريعة، ولا عقيدة، ولا عمل، وكلّ الأمم تستشرف ما قد يقع لها؛ يعني الأمر لا يستثني كافرًا أو مؤمنًا.
فلله لا تدخل أنفك في ما ليس لك به دراية، فلقد ضلّ كثير في “عيسى وموسى” -عليهما الصلاة والسلام-، وعلى -رضى الله عنه- وغيرهم كثير من الصّالحين، فليس ذنبهم أن رفعهم الناس عن منزلتهم أو وضعوهم عن منزلتهم.
والخلاصة الاستشراف دراسة احتمالات، وعلم أدقّ من الشعر، وفوق طاقة كل الناس، وليس للبشرية غنًا عنه سواء قبلته أو رفضته فأنت فرد لا أكثر.







