والمقاصد مرآة للواقع، وليست منشئةً للأحكام، بل هي كاشفة لأسرار التّشريع والتّنزيل بضبط المناط وتنقيحه والموانع التي تطرأ للذّهن عند اتّفاق الصُّور مع مغايرة الأحكام للنّازلة الواحدة ظاهريًّا.
ولم يعرف الإسلام هذه المقاصد إلا في القرن الثاني منه على يد الإمام الشافعيّ -رحمه الله- ثُمّ تبعه آخرين -رحمهم الله- حتى ختمه الشاطبي -رحمه الله- على نفس قواعده وأصوله.
والمقاصديون الجُدُد ميكافلّيون مائة بالمائة، لأنّهم يُريدون المقاصد منشئة للأحكام لا كاشفة، ليتسنّى لهم تعطيل الجزئيّ متى تعارض مع أهوائهم، ويُحلّونه عامًا ويحرّمونه عامًا!
ومن استبداد أهوائهم بهم أن ينصِّبوا أنفسهم ألهة جُددًا باسم التّجديد والمقاصديّة مع أنّ المقاصد مرآة للصّورة الكليّة التي عكست تفعيل كلّ الأحكام الجزئيّة عصر النُّبوّة ونزول الوحي وتمامه النّعمة وكمال المِلة بلا تعطيل؛ وحين عُطّلت كثير من الأحكام اليوم، وضعُفَتِ الأمّة تسلّلت الميكافلّيّة إلى أذهانهم ونفوسهم لا إراديًّا بحُكم الواقع، وبُعد الشُّقّة، وتعاظُم تكلفة الجهر بالحقّ، والشُّعور بالأزمة والتّأزُّم على المستوى الفرديّ والجمعيّ وعلى مستوى المؤسّسات الشّرعيّة بحكم تأميمها للحكومات؛ وبات واضحًا أنّهم يُريدون تسويغ بدائلها الجاهليّة محل ما عُطّل باستحسان، وتكييف تصوّر جديد يطلق عليه مصطلح “علم”، لتلفيق صورة تمنح الواقع تصور تصالحيّ توافقيّ مع المِلة، وهم أبعد ما يكون من علم المقاصد الأصيل إلى القرن الثامن هجرى.
فإذا لقيت أحدهم تحسّس دينك وجيبك، وخَف على عرضك ودمك!







