السُّنن الشرعيّة الكونيّة أكبر من العدالة البشريّة والشفافيّة والنّزاهة، فلقد قضى الحكيم الخبير العليم سبحانه بجعل سُنن جبليّة مركوزة في أصل الخلقة تقضي بتعارض الأغراض الوقتيّة والقريبة والطويلة والآمال في نفوس الخلائق، ونيل حظوظهم في الدُّنيا في تحقيق المصالح، وإنفاذ الرغبات، وتلبية الغرائز والشهوات، ليجري التّدافُع بين النّفوس، والمخلوقات، والمجتمعات، والأمم، وحتى بين الأزواج المتحابّين، وأخوة الدَّم والنّسب والعصب.
ولولا هذه السُّنّة الكونيّة الشرعيّة، لتهدمت الدُّنيا وقُطع النّسل، ولفسدت الحياة، وانطمس الخير فيها، وغلب الشّرّ وساد؛ وهذه مجريات الدُّنيا وحوادثها إلى قيام السّاعة. ولهذا، إذا قُطع الطريق على الشر، وفضح أمره في مكان ما أو مجتمع ما، فلأنّ السُّنن الكونية لا تسع قوّة ما في الكون خرقها.
وإبقاء أمر الكيد والمكر والشّرّ حينًا من الدهر مطويًّا ومخفيًّا عن الخلائق لا يرجع لحكمة وحنكة وخبرة مَن مَكَرَ وكاد وأضمر وخَطّطَ، ولكن يرجع إلى قَدَر الله وسُنّته الماضية في إمهال واستدراج خلقه، وليظهر أمره -سبحانه وتعالى- متى شاء بقتل الباغي بسيف بغيه، وأن يبوء الماكر الشّرير بإبطال كيده ومكره، لتعلم كلٍ الخلائق “أنّ الأمر كله لله”، وليس لأحد ولا قوّة في الكون أو قدرة على خرق سُنَنه -سبحانه وتعالى- في الكون، كما لا يستطيع الإنس والجنّ أن يبدّلوا سُنة الله في كونه من جريان الليل والنهار، وطلوع الشمس من المشرق، وغروبها من المغرب، ولا إطالة أجل من حان أجله.
وزَعْم البعض ونسبهم سُنة الله الكونيّة والشرعيّة بالتّدافع وتعارض المصالح والأغراض بين المخلوقات -أفرادّا وجماعاتٍ وأممًا ودولًا، وحتى بين الوالد وولده، والأمّ وبنتها وولدها، وبين الأجيال من نسب واحد- أنها عدالة وشفافية وأنّها تخصّ أمم دون أمم، وبشر دون بشر مجرد حيلة استلابيّة، وشعور بالدونيّة، وجهل بالله -سبحانه وتعالى- وسُننه في الكون؛ وهذا لا يليق بمسلم علِم وعَرَف الله -سبحانه وتعالى-، وطلاقة قدرته، وجريان مشيئته في خلقه جميعًا، وإنّنا نسأل الله البراءة منها وممّن ظنّ بالله ظنّ الجاهليّة.
ومن تمام الفوائد، أمر الله عباده بالصّبر على دربين: أمر كاشف السُّتن، وأمر تعبُّدي؛ فلمَن صبر امتثالاً أن يرى جائزة صبره، وشفاء صدره، وذهاب غيظ قلبه بجريان سُنن الله على أكمل وجه، وأتمّ عاقبة، كما قال -سبحانه وتعالى-: «والعاقبة للمتقين»: لأنّ مَن امتثل لأمر الصبر، راقب السُّنن، وعلمها حتى تبلغ في قلبه مرتبة اليقين.







