في الوقت الذي تلقي فيه حرب إيران بظلالها الثقيلة على تدفقات الطاقة العالمية وتذكي تقلبات الأسواق، تمكنت المملكة العربية السعودية من تحويل التهديد إلى فرصة، إذ جنت مليارات الدولارات كإيرادات نفطية إضافية، مستغلة موقعها الجغرافي الفريد لتعزيز طموحها كمركز تجاري ولوجستي عالمي يربط بين القارات الثلاث.
صمام أمان البحر الأحمر
رغم الانعكاسات السلبية للصراع التي تبدت في تباطؤ النمو الاقتصادي وارتفاع ميزانيات الإنفاق الدفاعي، إلا أن الطفرة السعرية للنفط والجاهزية اللوجستية مكنتا الرياض من تجاوز المأزق.
وفي هذا السياق، أكد هشام الغنام، الباحث المقيم في الرياض لدى مركز “مالكوم كير كارنيغي” للشرق الأوسط، أن السعودية أثبتت عملياً أنها صمام الأمان الأساسي لمنطقة البحر الأحمر، مما جعل ساحلها الغربي الممر البديل الأهم لتعويض شلل مضيق هرمز.
خط الطوارئ وأرقام الإيرادات
أثبتت خطط الطوارئ التاريخية للمملكة نجاعتها الحمائية؛ حيث قفزت عائدات التصدير النفطي إلى أعلى مستوياتها في أكثر من ثلاثة أعوام، مسجلة 24.7 مليار دولار خلال أول شهر كامل من اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
وجاء هذا التدفق مستنداً إلى تشغيل “خط الأنابيب شرق-غرب” (الذي دشن إبان حرب الناقلات في ثمانينيات القرن الماضي)، مما أتاح للمملكة نقل قرابة تريليون دولار من الأصول السلعية والطاقة بعيداً عن أعين طهران.
شاحنات الخليج
إلى جانب أنابيب النفط، تحول البر السعودي إلى شريان حياة تجاري؛ حيث سمحت شبكة الطرق السريعة المتطورة لآلاف الشاحنات المحملة بالأسمدة والسلع الاستهلاكية بالعبور من دول الخليج نحو الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر لشحنها إلى الأسواق العالمية.
ورغم هذا الحراك، عانى القطاع غير النفطي تباطؤاً نسبياً، مما دفع صندوق النقد الدولي في أبريل الماضي إلى خفض توقعات نمو الاقتصاد السعودي بمقدار 0.9 نقطة مئوية ليصل إلى 3.1% لعام 2026.
التنافس الإقليمي على الممرات البديلة
لا تتحرك الرياض منفردة في مشهد الممرات البديلة، إذ يشهد الإقليم سباقاً محموعاً لإعادة تموضع سلاسل الإمداد:
-
الإمارات: تكثف استثماراتها لإنشاء مركز تصدير موازٍ على ساحلها الشرقي، ممتداً عبر تسريع بناء خط أنابيب نحو ميناء الفجيرة المطل على خليج عُمان لمضاعفة قدرات التصدير وبناء شبكات إمداد محصنة.
-
عُمان: دشنت ممرًا تجاريًا بريًا جديدًا يربطها بإمارة الشارقة، مستفيدة من الإطلالة المباشرة لموانئها على بحر العرب لزيادة حصتها التنافسية في الملاحة الخليجية.
إعادة توظيف “نيوم”
استجابة لمعطيات الحرب، أعادت الإدارة السعودية توظيف أجزاء حيوية من مشروع “نيوم” شمال غربي البلاد؛ حيث ركزت الاستراتيجية الجديدة على توسيع الدور اللوجستي للمشروع والترويج لمينائه البحري كمركز محوري تعتمد عليه الشركات الأوروبية للوصول البري السريع إلى الإمارات والكويت والعراق.
ويتزامن ذلك مع دراسة صندوق الاستثمارات العامة السعودي (البالغ حجمه تريليون دولار) دمج أصول النقل وسلاسل الإمداد لتأسيس كيان لوجستي عملاق قادر على اقتناص الاستثمارات الأجنبية.
سحب البساط من جبل علي
اعتبر ألبرت فيدال ريبي، المحلل لدى “المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية”، أن هذه الحرب سرعت وتيرة تحول السعودية إلى محور رئيسي، مزاحمةً اللقب التاريخي والمكانة التي احتفظ بها ميناء “جبل علي” في دبي لعقود طويلة.
وانعكس هذا التمايز الجغرافي على أداء الأسواق المالي؛ إذ ارتفع المؤشر الرئيسي للأسهم السعودية (تاسي) بنحو 3% منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير، في حين سجلت بورصة دبي تراجعاً بـ 10% وأبوظبي بـ 7%، مما عزز ثقة الشركات الدولية الراغبة في الطروحات الأولية بالمملكة.
أمن البحر الأحمر
رغم النأي بالسعودية عن الهجمات المباشرة بفعل تجنب الحوثيين استهداف أراضيها خلال الحرب الحالية مع إيران، فإن المخاطر الأمنية في البحر الأحمر لا تزال قائمة.
ومع ذلك، يرى رودولف لوهمير، الشريك الأول لدى شركة الاستشارات “كيرني”، أن التحول نحو الموانئ السعودية يحمل طابعاً ديمومياً، لكون طهران ستحتفظ بقدراتها الاستراتيجية على تهديد الملاحة عبر هرمز حتى بعد توقيع تفاهمات التهدئة المقترحة من إدارة ترامب، مما يجعل تنويع المسارات خياراً لا رجعة فيه.
نجاح السعودية
السعودية نجحت في تحويل تفوقها الجغرافي وجاهزية بنيتها التحتية إلى مظلة أمان مالي ولوجستي في ذروة الاشتعال الإقليمي.
وبينما تتدفق المليارات إلى خزائن الرياض عبر خط “شرق-غرب” والشبكات البرية، فإن الصراع الحالي سرّع من ولادة واقع اقتصادي جديد يضع موانئ البحر الأحمر في صدارة التجارة الدولية على حساب الموانئ التقليدية داخل الخليج.
ويؤكد ذلك أن استراتيجية تنويع المسارات السعودية لم تعد مجرد خطة طوارئ مؤقتة، بل ركيزة هيكلية لإعادة هندسة سلاسل الإمداد العالمية للمرحلة المقبلة.
المصدر: بلومبيرج- وكالات


