بين طبقات الركام والأنقاض المتراكمة في قطاع غزة، تعيش آلاف العائلات مأساة إنسانية مفجعة في الانتظار المُرّ لانتشال رفات أحبائها، وسط تلاشي الأمل وتصاعد الصرخات المنادية بالدفن اللائق والحفاظ على الأدلة الحية التي وثّقت فظائع جرائم الحرب.
آلاف الجثامين وحسرة الانتظار
تؤكد تقديرات مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان وجود ما لا يقل عن 8,000 جثمان لا تزال مطمورة تحت الركام في مختلف أرجاء القطاع، مشيرةً إلى أن عمليات الانتشال الميدانية البدائية، وفي ظل شح المعدات وحظر فرضه جيش الاحتلال الإسرائيلي، قد تستغرق عقداً كاملاً من الزمن لإنجازها.
اطفال تحت الركام فى غزة
انتشال ومآسٍ تنكشف مؤخراً
شهدت الفترة الممتدة بين أواخر 2025 وسبتمبر 2026 نجاح الفرق في الانتشال الجزئي لرفات مئات الضحايا، كان من بينهم أسر بكاملها مثل عائلة “ملاكة” التي فقدت العشرات تحت صخر منازلها، في حين تحولت الأجساد تحت وطأة الأسلحة الفتاكة وطول السنين إلى أجزاء يعسر معها التمييز أو التعرف على الهويات.
حصار المعدات والخطوط الصفراء
تواجه أطقم الدفاع المدني الفلسطيني المنهكة عجزاً تاماً لامتلاكها حفارة واحدة صالحة للعمل، بالتوازي مع القيود الصارمة المنفذة من سلطات الاحتلال الإسرائيلية لمنع دخول الآليات الثقيلة، وحرمان الأهالي وفرق الإنقاذ من الوصول للمناطق الواقعة خلف ما يُعرف بـ”الخط الأصفر” العسكري.
عائلة كاملة استشهدت ومازالت الجثامين تحت الانقاض فى غزة
أنقاضٌ تحتفظ بمسرح الجريمة
تطالب هيئات الأمم المتحدة والمقررون الدوليون بضرورة التعامل بحذر مع المواقع المدمرة لكونها تضم أدلة جنائية ومادية دامغة تثبت ارتكاب انتهاكات جسيمة وجرائم حرب، مشددين على أن إزالة الركام بطرق عشوائية قد يقضي على حق الضحايا في المساءلة وتحقيق العدالة الدولية.
وجع البحث عن المغيبين
تحكى رويترز: يقف الشاب حمادة أبو حصيرة، كغيره من آلاف المكلومين، أمام أطلال بيته المدمر بمرارة لا تنتهي، حيث انهارت جدران المبنى فوق عائلته، ليبقى شقيقه الأصغر مؤمن مفقوداً تحت آلاف الأطنان من الصخور، دون أن يتوفر لأسرته مجرد القدرة على إلقاء نظرة الوداع الأخيرة أو إقامة مدفن يحفظ كرامته.
وأفادت وكالة فرانس برس بتفاقم الأزمة الإنسانية والنفسية لآلاف العائلات في غزة جراء المماطلة والقيود الصارمة المفروضة على دخول آليات انتشال الجثامين من تحت الركام.
وأبرزت وكالة رويترز بيانات مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة التي حذرت من أن يستمر دمار المنشآت وحظر الآليات في حرمان الضحايا من الدفن بكرامة ومحو الأدلة الحية على الجرائم المرتكبة.
وشددت وكالة الأنباء الرسمية (وفا) على أن أسر المفقودين تصارع أوجاع الفقد اليومي وقلة الحيلة، في وقت تحاول فيه منظمات حقوقية حماية مسرح الجرائم لضمان عدم إفلات المسؤولين من العقاب.
نداء الإنسانية وحق العدالة الغائبة
تجسد الأنقاض الممتدة على طول قطاع غزة إحدى أشد الفصول قسوة في تاريخ المآسي الإنسانية الحديثة؛ فهي لم تعد مجرد خرسانة صامتة أو مخلفات حرب، بل تحولت إلى مقابر جماعية لمفقودين ينتظر ذووهم كلمة ختام تعيد لرفاتهم الكرامة، وشواهد حيّة تستصرخ الضمير العالمي لأجل المحاسبة، ان كان هناك ضمير عالمى.
إن الاستمرار في حظر المعدات الثقيلة وعرقلة جهود الإغاثة والتوثيق ينطوي على جريمة مركبة تتجاوز قتل الأجساد إلى محو آثار الجريمة وسلب حق الأحياء في الحداد؛ مما يضع المنظومة الدولية أمام التزام أخلاقي وقانوني عاجل للضغط من أجل فتح الحدود، وتمكين فرق الإنقاذ، وصيانة مسرح العدالة قبل أن تتلاشى المعالم تحت وطأة الركام والزمن، ولكن يضع اهل فلسطين وغزة أملهم فى الله فى نصر قريب سيتحقق بإذن الله.