صدر الكتاب باللغة الإنجليزية عام 2019 تحت عنوان:
Stealth War: How China Took Over While America’s Elite Slept
وهو من تأليف الضابط الأمريكي المتقاعد وخبير الأمن القومي روبرت سبولدينغ، بالاشتراك مع الكاتب سِث كوفمان، بينما صدرت الترجمة العربية عام 2023 بترجمة علي الحارس، عن مركز الرافدين للحوار.
يقع الكتاب في نحو 250 إلى 300 صفحة بحسب الطبعات المختلفة، ويعكس تحولًا مهمًا داخل التفكير السياسي والأمني الأمريكي تجاه الصين، خاصة بعد تصاعد التوترات الاقتصادية والتكنولوجية بين واشنطن وبكين.
تكمن أهمية الكتاب في أنه لا يناقش مجرد منافسة اقتصادية بين قوتين عالميتين، بل يقدم تصورًا جديدًا للحرب الحديثة، بوصفها حربًا تُخاض عبر التكنولوجيا، والاقتصاد، والبيانات، والبنية التحتية، والتأثير السياسي والإعلامي، وليس فقط عبر الجيوش والطائرات.
ويرى المؤلفان أن الصين نجحت خلال العقود الأخيرة في استغلال الانفتاح الاقتصادي العالمي لتبني قوة هائلة، بينما بقيت النخب الأمريكية غافلة عن طبيعة المشروع الصيني الحقيقي.
الكتاب يحمل طابعًا تحذيريًا واضحًا، ويعبّر عن تيار أمريكي متنامٍ يعتبر أن الصراع مع الصين سيكون القضية الكبرى في القرن الحادي والعشرين.
مقدمة
عندما انتهت الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفيتي، بدا لكثيرين في الغرب أن العالم قد دخل عصرًا جديدًا، تحكمه العولمة والأسواق المفتوحة والتجارة الحرة، وأن الصراعات الكبرى القديمة أصبحت جزءًا من الماضي.
اعتقدت النخب الغربية أن دمج الصين داخل الاقتصاد العالمي سيقود تدريجيًا إلى “تحولها الليبرالي”، وأن التجارة ستجعلها أكثر انفتاحًا سياسيًا وثقافيًا، وأكثر قربًا من النموذج الغربي.
لكن ما حدث – بحسب هذا الكتاب – كان العكس تمامًا.
فبينما كانت الولايات المتحدة تفتح أبواب أسواقها وتكنولوجيتها أمام الصين، كانت بكين تستخدم هذا الانفتاح لبناء مشروع قوة عالمي ضخم، يعتمد على السيطرة الاقتصادية، والاختراق التكنولوجي، والتوسع الجيوسياسي، والهيمنة الرقمية.
من هنا تأتي أهمية كتاب “الحرب الخفية”، لأنه لا يقدّم مجرد تحليل للعلاقات الأمريكية الصينية، بل يناقش تحوّل مفهوم الحرب نفسه.
فالحروب الحديثة لم تعد تبدأ بإطلاق النار فقط، بل قد تبدأ بمنصة رقمية، أو شبكة اتصالات، أو تطبيق إلكتروني، أو مصنع للرقائق، أو ميناء بحري في دولة فقيرة، أو شركة تتحكم في البيانات والمعلومات.
لقد أصبح الاقتصاد جزءًا من الأمن القومي، وأصبحت التكنولوجيا أداة نفوذ سياسي عالمي، وتحولت البيانات إلى سلاح إستراتيجي لا يقل خطورة عن الصواريخ العابرة للقارات.
والكتاب، رغم انطلاقه من رؤية أمريكية واضحة، يطرح سؤالًا يتجاوز الصراع بين واشنطن وبكين:
هل يمكن أن تتحول العولمة نفسها إلى وسيلة للهيمنة؟
وهل أخطأت القوى الكبرى عندما ظنت أن التجارة قادرة وحدها على إنهاء الصراعات الدولية؟
تلخيص الكتاب في بضعة سطور
يقوم الكتاب على فكرة مركزية مفادها أن الصين خاضت ضد الولايات المتحدة “حربًا خفية” طويلة المدى، لم تعتمد على المواجهة العسكرية المباشرة، بل على التغلغل الاقتصادي والتكنولوجي والسياسي.
ويرى المؤلفان أن النخب الأمريكية ساهمت – عن قصد أو عن جهل – في تمكين الصين من التحول إلى قوة عالمية منافسة، من خلال نقل التكنولوجيا، وفتح الأسواق، والسماح بتوسع النفوذ الاقتصادي الصيني داخل الغرب.
ويؤكد الكتاب أن الصين لا تعمل وفق نموذج السوق الحرة التقليدي، بل وفق نموذج يجمع بين الرأسمالية والسلطوية السياسية، بحيث تصبح الشركات والاقتصاد والتكنولوجيا جزءًا من مشروع الدولة الإستراتيجي.
كما يناقش الكتاب الحرب السيبرانية، والصراع على شبكات الجيل الخامس، وسرقة الملكية الفكرية، ومبادرة الحزام والطريق، وهيمنة البيانات، ويرى أن مستقبل القوة العالمية سيتحدد عبر السيطرة على التكنولوجيا والبنية التحتية والمعلومات، أكثر من اعتماده على التفوق العسكري التقليدي.
أهم فصول الكتاب
الحرب الجديدة.. حين تتحول كل الأدوات إلى أسلحة
يفتتح الكتاب بتحليل مفهوم الحرب الحديثة، مؤكدًا أن الصراعات الكبرى لم تعد تعتمد فقط على الجيوش والسلاح التقليدي، بل أصبحت تشمل الاقتصاد والإعلام والإنترنت والبنية التحتية والفضاء السيبراني.
ويستند المؤلفان إلى مفهوم “الحرب غير المقيّدة”، الذي طرحه ضباط صينيون في التسعينيات، والقائم على استخدام كل الوسائل الممكنة لإضعاف الخصوم دون الحاجة إلى حرب مباشرة.
ويقول الكتاب:
“أفضل الانتصارات هي تلك التي تتحقق دون إطلاق رصاصة واحدة.”
ويؤكد المؤلفان أن الصين فهمت مبكرًا أن السيطرة الاقتصادية والتكنولوجية قد تكون أكثر فاعلية من الاحتلال العسكري التقليدي.
كيف ساهمت أمريكا في صناعة خصمها؟
يناقش الكتاب السياسات الأمريكية تجاه الصين منذ نهاية الحرب الباردة، ويرى أن واشنطن ارتكبت خطأً إستراتيجيًا كبيرًا حين اعتقدت أن دمج الصين داخل الاقتصاد العالمي سيحوّلها تلقائيًا إلى دولة ليبرالية.
لكن الصين – بحسب الكتاب – استخدمت الانفتاح الغربي لتعزيز قوتها الصناعية والعسكرية والتكنولوجية.
ويشير المؤلفان إلى أن الشركات الأمريكية نقلت مصانعها وتكنولوجيتها إلى الصين بحثًا عن الأرباح الرخيصة، دون إدراك العواقب الإستراتيجية طويلة المدى.
ومن الاقتباسات اللافتة:
“كانت أمريكا تظن أنها تغيّر الصين، بينما كانت الصين تغيّر العالم.”
وينتقد الكتاب النخب الاقتصادية الأمريكية التي فضّلت المكاسب المالية السريعة على حساب الأمن القومي والمصالح الإستراتيجية.
الاقتصاد الصيني.. رأسمالية تحت سيطرة الحزب
يرفض المؤلفان وصف الاقتصاد الصيني بأنه اقتصاد سوق حر، ويعتبران أن الحزب الشيوعي الصيني يسيطر بصورة مباشرة وغير مباشرة على مفاصل الاقتصاد الكبرى.
ويناقش الكتاب:
دعم الشركات الوطنية.
التلاعب بالعملة.
الإغراق التجاري.
الديون.
السيطرة على سلاسل التوريد العالمية.
نقل التكنولوجيا القسري.
الاستحواذ على الشركات الأجنبية.
ويرى المؤلفان أن الصين استخدمت التجارة العالمية باعتبارها أداة نفوذ سياسي وإستراتيجي، وليس مجرد وسيلة لتحقيق النمو الاقتصادي.
ويقول الكتاب:
“في الصين لا يوجد فصل حقيقي بين الدولة والشركة.”
الحرب السيبرانية.. المعركة التي لا يراها أحد
يخصص الكتاب مساحة واسعة للحرب الرقمية، معتبرًا أن البيانات والاتصالات أصبحت جزءًا أساسيًا من الأمن القومي.
ويناقش المؤلفان:
الهجمات السيبرانية.
التجسس الإلكتروني.
جمع البيانات الضخمة.
اختراق الأنظمة المعلوماتية.
استخدام التطبيقات الرقمية في التأثير السياسي والثقافي.
ويرى الكتاب أن السيطرة على البيانات أخطر من السيطرة العسكرية التقليدية، لأن من يمتلك المعلومات يمتلك القدرة على التأثير في الاقتصاد والسياسة والرأي العام.
ومن العبارات المهمة:
“البيانات هي النفط الجديد، لكن خطورتها أكبر بكثير.”
الجيل الخامس.. الصراع على المستقبل
يركز الكتاب على شبكات الجيل الخامس 5G باعتبارها قلب الصراع العالمي القادم.
فالشبكات الجديدة لن تكون مجرد وسيلة أسرع للاتصالات، بل بنية أساسية تتحكم في:
السيارات الذكية.
المدن الرقمية.
المصانع الآلية.
الذكاء الاصطناعي.
الأنظمة العسكرية.
الاقتصاد الرقمي بالكامل.
ويرى المؤلفان أن هيمنة الصين على هذه التكنولوجيا قد تمنحها نفوذًا عالميًا غير مسبوق.
ولذلك يعتبران أن الصراع على الجيل الخامس ليس نزاعًا تجاريًا فقط، بل معركة على قيادة العالم في المستقبل.
مبادرة الحزام والطريق.. الإمبراطورية الجديدة
يحلل الكتاب مبادرة “الحزام والطريق” باعتبارها مشروعًا جيوسياسيًا ضخمًا، يتجاوز فكرة التنمية الاقتصادية.
ويرى المؤلفان أن الصين تستخدم:
الموانئ.
الطرق.
السكك الحديدية.
القروض.
شبكات الطاقة.
البنية التحتية الرقمية.
من أجل بناء شبكة نفوذ عالمية تجعل التجارة الدولية مرتبطة بالصين.
ويناقش الكتاب كيف أصبحت بعض الدول معتمدة اقتصاديًا على القروض والاستثمارات الصينية، بما يمنح بكين نفوذًا سياسيًا طويل المدى.
سرقة الملكية الفكرية ونقل التكنولوجيا
يعتبر المؤلفان أن نقل التكنولوجيا وسرقة الملكية الفكرية كانا عنصرين أساسيين في صعود الصين الصناعي والتكنولوجي.
ويناقشان حالات تتعلق بالتجسس الصناعي، والاستحواذ على الشركات الأجنبية، وإجبار بعض الشركات الغربية على نقل التكنولوجيا مقابل السماح لها بالعمل داخل السوق الصينية.
ويرى الكتاب أن الغرب ساهم بنفسه في هذا التحول، لأنه فضّل الأرباح الاقتصادية على حماية تفوقه الصناعي والتكنولوجي.
كيف يمكن لأمريكا مواجهة الصين؟
في الفصول الأخيرة، يطرح الكتاب مجموعة من الحلول التي يراها ضرورية لمواجهة النفوذ الصيني، ومنها:
إعادة بناء الصناعة الأمريكية.
تقليل الاعتماد على الصين.
حماية التكنولوجيا الوطنية.
تشديد الرقابة على الاستثمارات الصينية.
تعزيز الابتكار والتعليم.
إصلاح البنية التحتية.
إعادة تعريف الأمن القومي ليشمل الاقتصاد والتكنولوجيا.
ويؤكد المؤلفان أن الصراع القادم لن يكون عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا وتقنيًا وثقافيًا أيضًا.
أهم أقوال الكتاب والاقتباسات
“أفضل الانتصارات هي تلك التي تتحقق دون إطلاق رصاصة واحدة.”
“كانت أمريكا تظن أنها تغيّر الصين، بينما كانت الصين تغيّر العالم.”
“البيانات هي النفط الجديد، لكن خطورتها أكبر بكثير.”
“في الصين لا يوجد فصل حقيقي بين الدولة والشركة.”
“الاقتصاد لم يعد منفصلًا عن الأمن القومي.”
“القرن الحادي والعشرون سيكون قرن الصراع على التكنولوجيا.”
“من يسيطر على البنية التحتية الرقمية يملك نفوذًا يتجاوز الحدود.”
أهمية الكتاب
تكمن أهمية الكتاب في عدة نقاط رئيسية.
أولًا.
أنه يكشف التحول العميق في التفكير الإستراتيجي الأمريكي تجاه الصين.
ثانيًا.
أنه يوسّع مفهوم الحرب، بحيث تصبح التكنولوجيا والاقتصاد والبيانات جزءًا من أدوات الصراع الدولي.
ثالثًا.
أنه يلفت الانتباه إلى خطورة الاعتماد الاقتصادي المفرط على قوة منافسة.
رابعًا.
أنه يربط بين الأمن القومي والبنية التحتية الرقمية والتكنولوجيا الحديثة.
خامسًا.
أنه يساعد القارئ على فهم طبيعة التوتر المتصاعد بين الولايات المتحدة والصين في السنوات الأخيرة.
كتب مشابهة
هناك مجموعة من الكتب التي تتقاطع مع “الحرب الخفية” في تناولها للصعود الصيني والصراع العالمي الجديد، من أبرزها:
كتاب “الحرب غير المقيّدة” لـ تشياو ليانغ ووانغ شيانغسوي.
كتاب “مصيدة ثيوسيديدس” لـ جراهام أليسون.
كتاب “الصين تحكم العالم” لـ مارتن جاك.
كتاب “المئة عام القادمة” لـ جورج فريدمان.
كتاب “صدام الحضارات” لـ صموئيل هنتنجتون.
كتاب “رقائق الحرب” الذي يناقش الصراع العالمي على أشباه الموصلات والتكنولوجيا الدقيقة.
ربط الكتاب بالواقع الآن
تبدو أفكار الكتاب اليوم أكثر حضورًا من وقت صدوره.
فالعالم يعيش بالفعل تصاعدًا واضحًا في التوتر بين واشنطن وبكين، خاصة في ملفات:
الذكاء الاصطناعي.
أشباه الموصلات.
الجيل الخامس.
الحرب التجارية.
سلاسل التوريد.
تايوان.
البيانات والتطبيقات الرقمية.
كما كشفت جائحة كورونا مدى اعتماد الاقتصاد العالمي على المصانع الصينية، وهو ما دفع دولًا كثيرة لإعادة التفكير في سلاسل الإمداد العالمية.
كذلك أصبحت المنافسة على التكنولوجيا المتقدمة جزءًا أساسيًا من الصراع الدولي، خاصة مع دخول الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية والحوسبة الكمية إلى قلب التنافس الجيوسياسي.
واللافت أن كثيرًا من أفكار الكتاب تحولت بالفعل إلى سياسات رسمية داخل الولايات المتحدة، سواء في عهد دونالد ترامب أو جو بايدن، عبر فرض القيود على التكنولوجيا الصينية، وتقليل الاعتماد الاقتصادي على بكين، وتشديد الرقابة على الاستثمارات والتطبيقات الرقمية.
سيرة المؤلف
روبرت سبولدينغ ضابط أمريكي متقاعد وخبير في الأمن القومي والعلاقات الأمريكية الصينية.
وُلد عام 1962 في الولايات المتحدة، وعمل في القوات الجوية الأمريكية، كما شغل مناصب مرتبطة بالتخطيط الإستراتيجي والأمن القومي داخل وزارة الدفاع والبيت الأبيض.
ويُعد من أبرز الأصوات الأمريكية التي تدعو إلى مواجهة النفوذ الصيني اقتصاديًا وتقنيًا.
من أشهر كتبه:
“الحرب الخفية”.
“الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة الصين”.
وله مقالات ودراسات عديدة حول الأمن السيبراني والتكنولوجيا والصراع الجيوسياسي.
أما سِث كوفمان فهو كاتب وباحث أمريكي شارك في إعداد الكتاب وصياغته.
هذا الكتاب
يقدّم كتاب “الحرب الخفية” صورة لعالم جديد لم تعد القوة فيه تُقاس بعدد الدبابات والطائرات فقط، بل بامتلاك التكنولوجيا والبيانات والبنية التحتية وشبكات الاتصال.
فالكتاب يرى أن الصين لم تواجه الولايات المتحدة عبر حرب عسكرية مباشرة، بل عبر مشروع طويل المدى اعتمد على الاقتصاد، والتكنولوجيا، والتغلغل داخل النظام العالمي نفسه.
ورغم أن الكتاب ينطلق من رؤية أمريكية تحمل قدرًا واضحًا من القلق السياسي والإستراتيجي، فإنه يطرح أسئلة عميقة تتجاوز حدود الصراع الأمريكي الصيني.
كيف تغيّرت طبيعة الحروب؟
ومن يملك السيطرة الحقيقية في العصر الرقمي؟
وهل أصبحت الشركات والتكنولوجيا والبيانات أدوات نفوذ تتجاوز سلطة الدول نفسها؟
إن أهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في تحليله للصعود الصيني، بل في كشفه كيف تغيّر العالم نفسه، وكيف أصبحت المعارك الكبرى تُخاض بصمت، عبر الاقتصاد والمعلومات والبنية التحتية، قبل أن تُخاض في ساحات القتال.


