كشف المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية عن أداء اقتصادي لافت للمنطقة خلال الربع الثالث من عام 2025، حيث أظهرت البيانات الرسمية استمرار وتيرة النمو التصاعدي مدعومة بقاعدة إنتاجية بدأت تخرج من عباءة “الذهب الأسود” التقليدية نحو آفاق أكثر تنوعاً.
وسجل الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بالأسعار الجارية نحو 595 مليار دولار أمريكي، محققاً زيادة سنوية بنسبة 2.2%، بينما جاءت المفاجأة الحقيقية في معدلات النمو الحقيقي بالأسعار الثابتة، والتي بلغت 5.2% لتصل قيمتها إلى 474 مليار دولار.
يعكس ذلك تحسناً جوهرياً في حجم النشاط الاقتصادي الفعلي بعيداً عن تقلبات أسعار الطاقة العالمية، ويؤكد قدرة العواصم الخليجية على تحويل الخطط الاستراتيجية للتنويع إلى واقع ملموس في هيكل الناتج القومي.
تحول جوهرى
وتشير القراءة التحليلية للنشرة الإحصائية الخليجية إلى تحول جوهري في هيكل الاقتصاد الإقليمي؛ فعلى الرغم من أن قطاع النفط والغاز لا يزال المحرك الرئيسي بنسبة مساهمة بلغت 22.0% من إجمالي الناتج الاسمي، إلا أن الزحف القوي للقطاعات غير النفطية بدأ في رسم ملامح جديدة للاستقرار الاقتصادي.
وقد برزت الصناعات التحويلية كقوة دفع إضافية بنسبة 12.4%، تلتها تجارة الجملة والتجزئة بنسبة 9.7%، فيما سجل قطاع التشييد والبناء 8.4%، مدفوعاً بحزمة المشاريع الكبرى والمدن الذكية التي يجري تشييدها في دول المجلس.
مكاسب التنويع
ولفتت القراءة الى انه لم تتوقف مكاسب التنويع عند هذا الحد، بل امتدت لتشمل قطاعات الخدمات المالية والتأمين والأنشطة العقارية، مما يعزز صورة منطقة جغرافية أصبحت أقل ارتهاناً لتقلبات أسعار برميل النفط.
ويرى خبراء الاقتصاد الدوليون ووكالات الأنباء العالمية أن هذه الأرقام تمثل شهادة ثقة في السياسات المالية الخليجية، حيث أجمعت كافة دول المجلس على تحقيق معدلات نمو إيجابية في ناتجها الحقيقي، وهو ما يعكس تكاملاً اقتصادياً وتناغماً في مسارات التحول الوطني.
الأنشطة الخدمية
وتؤكد التقارير أن وصول مساهمة الأنشطة الخدمية والإنتاجية الأخرى إلى أكثر من 27% يشير إلى أن دول الخليج تنجح تدريجياً في بناء “محركات نمو موازية” تدعم الاستدامة المالية وتخلق فرص عمل جديدة بعيداً عن حقول الإنتاج.
ويجمع المحللون على أن هذا النمو المتوازن هو نتاج طبيعي للاستغلال الأمثل لفوائض الموارد التقليدية في تمويل البنية التحتية والقطاعات اللوجستية والتقنية، مما يضع المنطقة في مقدمة الاقتصادات الناشئة الأكثر قدرة على مواجهة الصدمات الخارجية.
المحرك الفعلى
وفي سياق القراءة الاستشرافية، تعزز هذه النتائج الرؤية القائلة بأن التنويع الاقتصادي في الخليج لم يعد مجرد “شعار سياسي” بل أصبح محركاً فعلياً يقود قاطرة التنمية نحو عام 2026 وما بعده.
فوجود مزيج قطاعي متنوع يضم الصناعة والتجارة والخدمات المالية، بالتوازي مع الحفاظ على الأهمية الاستراتيجية لقطاع الطاقة، يمنح دول مجلس التعاون مرونة عالية في إدارة ميزانياتها العامة وتوسيع قاعدة إيراداتها السيادية.
وتُرسم هذه الأرقام مجتمعة صورة متفائلة لمستقبل الاقتصاد الخليجي ككتلة اقتصادية موحدة ومستقرة، قادرة على تحقيق نمو حقيقي متسارع يتجاوز التوقعات الدولية، ويجذب مزيداً من الاستثمارات الأجنبية الباحثة عن بيئة تشغيلية آمنة ونامية في قلب الشرق الأوسط.







