يعرض هذا التقرير قراءة تحليلية معمّقة للأرقام الواردة في الصورة، كاشفًا التحولات الكبرى في خريطة الإنفاق العسكري العالمي منذ نهاية الحرب الباردة، مع تركيز خاص على الدور الأمريكي بوصفه الفاعل الأكثر إنفاقًا وتأثيرًا.
أولًا: إنفاق عسكري عالمي غير مسبوق
منذ نهاية الحرب الباردة في مطلع تسعينيات القرن الماضي، شهد العالم تصاعدًا متواصلًا في حجم العسكرة. ووفق البيانات، بلغ الإنفاق العسكري التراكمي عالميًا بين عامي 1991 و2024 نحو 57,475.9 مليار دولار، وهو رقم يعكس انتقال العالم من منطق الصراع الثنائي إلى سباق تسلّح متعدد الجبهات.
داخل هذا الرقم الضخم، تبرز الولايات المتحدة باعتبارها الفاعل الأثقل وزنًا، ليس فقط من حيث الحجم المطلق للإنفاق، بل من حيث حصتها من الإجمالي العالمي.
ثانيًا: الولايات المتحدة… ثُلث الإنفاق العالمي بمفردها
تشير الأرقام إلى أن الولايات المتحدة أنفقت وحدها 18,662 مليار دولار خلال الفترة نفسها، بما يعادل 32.47% من إجمالي الإنفاق العسكري العالمي.
بمعنى آخر، فإن دولة واحدة استحوذت على ما يقارب ثلث ما أنفقه العالم كله على الجيوش والتسليح خلال أكثر من ثلاثة عقود.
هذه النسبة تكشف خللًا بنيويًا في ميزان القوة، حيث لا تقوم العسكرة على توازن الردع بقدر ما تعكس قدرة دولة بعينها على فرض إيقاعها العسكري عالميًا.
ثالثًا: 11 سبتمبر… نقطة التحول الكبرى
تُظهر البيانات أن الغزوات والحروب الأمريكية بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، والتي رُفعت تحت شعار «الحرب على الإرهاب»، شكّلت لحظة مفصلية في تاريخ العسكرة العالمية.
أدّت هذه الحروب إلى مضاعفة الإنفاق العسكري العالمي أكثر من مرتين وربع المرة. كما رفعت حصة الولايات المتحدة من الإنفاق العالمي من أقل من 26% قبل 2001 إلى أكثر من 36% بعده . هذا الارتفاع لا يعكس فقط زيادة في الميزانيات، بل تحوّلًا في العقيدة العسكرية الأمريكية، التي انتقلت من الدفاع والردع إلى التدخل المباشر وإدارة الصراعات خارج الحدود.
رابعًا: إنفاق بلا حدود جغرافية
توضح المعطيات أن هذا الإنفاق لم يكن مخصصًا فقط للدفاع عن الأراضي الأمريكية، بل استُخدم على نطاق واسع لـ:
تعزيز التفوق العسكري والتكنولوجي.و تمويل قواعد عسكرية منتشرة حول العالم. وإدارة حروب وتدخلات خارجية في مناطق تعتبرها واشنطن ذات «مصالح استراتيجية».وبذلك تحوّل الإنفاق العسكري إلى أداة هيمنة عالمية، وليس مجرد وسيلة لحماية الأمن القومي بالمعنى التقليدي.
خامسًا: دلالات الأرقام في السياق الدولي
تكشف هذه الإحصاءات أن العسكرة العالمية منذ 1991 لم تكن نتاج تهديدات متكافئة، بل نتيجة تمركز القوة العسكرية والمالية في يد دولة واحدة. كما تُظهر أن «الحرب على الإرهاب» لم تؤدِّ إلى تقليص النزاعات أو خفض الإنفاق، بل أسست لمرحلة أطول وأوسع من الحروب المفتوحة، ذات كلفة مالية وبشرية وسياسية باهظة.
—
المصدر: بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI).


