تترنح القوى الاقتصادية الكبرى في القارة الآسيوية تحت وطأة صدمة جيوسياسية غير مسبوقة، حيث أدت الحرب – التى لم تهدأ حتى الآن ولا آثارها- في إيران وإغلاق مضيق هرمز إلى اختناق حاد في تدفقات الطاقة العالمية.
وضع ذلك الاقتصاد الهندي في مواجهة مباشرة مع أسوأ أزمة تكاليف إنتاج منذ عقود.
ولم تتوقف التداعيات عند حدود القفزات الجنونية في أسعار النفط والغاز، بل امتدت لتضرب المفاصل الحيوية لقطاعات الصناعة والخدمات، مما يهدد بتآكل المكتسبات التنموية لنيودلهي في ظل اعتمادها البنيوي على الموارد القادمة من الشرق الأوسط.
وبينما تراقب العواصم العالمية ارتعاش الأسواق، تبرز الهند كنموذج صارخ للانكشاف الاقتصادي أمام الصدمات الخارجية، حيث بدأت كلفة الحرب تتسرب من آبار النفط لتستقر في أسعار الغذاء، والنقل، والسفر، مما يضع الحكومة الهندية أمام اختبار عسير للموازنة بين طموحات الصعود وتحديات البقاء الاقتصادي في ظل وضع إقليمي متفجر.
وقود النفاثات يحرق الأرباح الموسمية
يبرز قطاع النقل الجوي الهندي كأول الضحايا المسجلين في قائمة نزيف الطاقة، حيث اضطرت الخطوط الجوية الهندية لاتخاذ قرارات مؤلمة بتقليص عدد رحلاتها بنسب تتراوح بين 10% و12% خلال شهري أبريل ومايو 2026 نتيجة الانفجار السعري في وقود الطائرات.
ووفقاً لتقارير صحيفة ب”فايننشال تايمز”، فإن التوقعات تشير إلى اتساع رقعة هذا التقليص لتشمل شهري يونيو ويوليو المقبلين، وهو ما يمثل ضربة قاصمة في قلب موسم الذروة الصيفي الذي تعول عليه الشركات لتحقيق فوائضها السنوية.
ويؤكد المدير التنفيذي للشركة، كامبل ويلسون، أن وقود الطائرات تحول إلى “تحدٍ وجودي” قد يفرض خيارات تشغيلية أكثر قسوة في المستقبل القريب، خاصة بعد أن رفعت مؤسسة النفط الهندية الحكومية أسعار الوقود المخصص للشركات الأجنبية والشركات المحلية على حد سواء، مما يجعل التحليق في الأجواء الهندية مكلفاً بشكل لا يطاق.
التضخم في قطاع الخدمات والصناعة
لم تكتفِ أزمة الطاقة بضرب الأجواء، بل هبطت لتعصف بالأسواق المحلية عبر زيادة تاريخية في أسعار الغاز التجاري، حيث رفعت نيودلهي سعر الأسطوانة سعة 19 كلغ بنحو 993 روبية (ما يعادل 10.40 دولار)، في قفزة سعرية ناهزت 48%.
هذا الارتفاع المفاجئ أحدث موجة ارتدادية فورية في تكاليف الوجبات بالمطاعم وخدمات الفنادق، مما وضع قطاع الضيافة في مأزق حقيقي، فضلاً عن انعكاسه على تكلفة الإنتاج في الصناعات كثيفة الاستهلاك للغاز مثل السيراميك والزجاج والأسمنت.
وتشير التحليلات إلى أن بعض هذه المصانع بدأت بالفعل في خفض وتيرة إنتاجها وتسريح جزء من العمالة لتفادي الانهيار المالي، وهو ما يمهد الطريق لانتقال عبء هذه الزيادات إلى المستهلك النهائي ويدفع بمعدلات التضخم إلى مستويات مقلقة تهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
أزمة البناء والتشييد
وفي زاوية أخرى من المشهد القاتم، تواجه شركات التشييد والبناء في الهند أزمة صامتة تتعلق باختفاء مادة “البيتومين” الضرورية لرصف الطرق وتصنيع الأسفلت، نظراً لاعتماد الهند على استيراد 40% من احتياجاتها من هذه المادة من منطقة الشرق الأوسط.
وكشفت البيانات أن واردات البيتومين انهارت في مارس 2026 لتصل إلى 7 آلاف طن فقط، مقارنة بنحو 32 ألف طن في الفترة نفسها من العام الماضي، مما ينذر بتوقف مشاريع الطرق القومية وتعطل حركة التنمية العمرانية.
ورغم محاولات الحكومة تجنب رفع أسعار الغاز المنزلي حتى الآن للحفاظ على التوازن السياسي، إلا أن استمرار الحرب ونقص المعروض العالمي من الغاز الطبيعي والنفط سيجعل من المحتم رفع الأسعار على المستهلكين في المنازل، لتكتمل حلقة الحصار الاقتصادي على المواطن الهندي.
تحت مقصلة “عنق هرمز”
تثبت الوقائع الراهنة أن الاقتصادات الناشئة في آسيا، وعلى رأسها الهند، هي الحلقة الأضعف في سلسلة الأزمات الجيوسياسية المشتعلة في الشرق الأوسط، حيث يمر عبر مضيق هرمز نحو نصف وارداتها النفطية وأكثر من ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي.
وتواجه نيودلهي اليوم سيناريو معقداً يتجاوز قدرة الميزانية على الدعم، خاصة مع توقعات وكالة رويترز بإنفاق مئات المليارات الإضافية لتخفيف أعباء الطاقة عن الأسر.
إن خفض صندوق النقد الدولي لتوقعات النمو للدول الناشئة من 4.2% إلى 3.9% يعكس بداية مرحلة “الانكماش العظيم” لهذه القوى التي كانت حتى وقت قريب محركاً للاقتصاد العالمي.
وفي ظل الانسداد الراهن، تبدو الهند مجبرة على إعادة هندسة استراتيجياتها الطاقوية بالكامل، وإلا فإن طموحات “التنين الآسيوي” قد تتبدد في مضيق هرمز قبل أن تبلغ غايتها.
المصدر: فايننشال تايم-رويترز


