أبوظبي – الأمة
تتواصل الحوارات الفكرية والأدبية الهادفة إلى تعزيز التراث الوطني والاحتفاء بالحرف والكلمة في مجلس “ليالي الشعر”، الذي يقام ضمن فعاليات الدورة الـ35 من معرض أبوظبي الدولي للكتاب، الذي ينظّمه مركز أبوظبي للغة العربية، حيث التقَتْ نخبة من الباحثين والشعراء والأكاديميين للتبحّر في سبيل صون الذاكرة الإماراتية، وتأصيل الموروث الأدبي والشفاهي، وإبراز تحولاته الجمالية والاجتماعية في الوجدان الإنساني عبر ثلاث جلسات حوارية متخصصة.
واستكشفت الجلسة الأولى، التي حملت عنوان “رواة ومؤرخو وحماة التراث: رحلة في الذاكرة الإماراتية”، وأدارها الإعلامي حامد محمدي، الدور المحوري لجائزة “سرد الذهب” كدعامة إستراتيجية لحفظ الموروث الشفاهي وتوثيقه ونقله للأجيال القادمة. وتناول المشاركون الشاعر والباحث علي الكندي المرر، الفائز بالجائزة في العام 2025 عن فئة الرواة، وسعادة الدكتور عبد العزيز المسلم، الروائي والكاتب الفائز بالجائزة في العام 2023 عن فئة السرود الشعبية، والخبير التراثي والباحث محمد سعيد الرميثي، أهمية الجائزة بوصفها تتويجاً لعقود من البحث الميداني والتسجيل التراثي وليست مجرد تكريم عابر.
وأوضح المرر أن الفوز بالجائزة ثمرة لأكثر من عقدين من جمع المرويات الشفهية من صدور كبار السن، مؤكداً ضرورة الاستمرار في البحث قبل اندثار هذه المعارف، بدوره لفت المسلم إلى الفرق بين مرونة الباحث الحر في الجمع والتزام العمل المؤسسي بمشاريع محددة، محذراً من تأثير وسائل التواصل الحديثة على قدرة الرواة الجدد على الحفظ والرواية.
وفي السياق ذاته، شدد الرميثي على أن التواصل المباشر مع الرواة هو السبيل الوحيد لاكتشاف التفاصيل الدقيقة للبيئات البدوية والزراعية والبحرية، مشيراً إلى أن التوثيق الصوتي والمرئي والمكتوب يمنح المادة مصداقية ويحمي الكنوز الشعبية من النسيان مع تغير المعالم والذاكرة. كما تطرق الحوار إلى أشكال الموروث من أمثال وقصائد وتغاريد ذات طابع اجتماعي حيّ.
وأخذت الجلسة الثانية، التي أدارها الإعلامي محمد عبد الله قاسم، وجاءت بعنوان “مرافئ شعرية”، الجمهور نحو عوالم التجربة الشعرية وأثر المنصات الكبرى في صقل الصوت الإبداعي، مستضيفة الشاعرة والأكاديمية اللبنانية علا خضارو، والشاعر والباحث النيجيري علي لوال اللذان تطرقا إلى أثر مشاركتهما في برنامج “أمير الشعراء”، إذ وصفت خضارو التجربة بأنها مدرسة حياتية وإنسانية علّمتها أن لكل حرف موقعاً وأثراً يغير مجرى المعنى والصورة، مشبهة وقوف الشاعر أمام الجمهور والناقدين بـ “المواجهة مع الشمس التي إما أن تضيء المبدع أو تحرقه”.
من جانبه، أكد لوال أن مشاركته كأول شاعر نيجيري حملته مسؤولية مضاعفة لتمثيل صوت شعري محدد، مشيراً إلى أن الاحتكاك بالشعراء العرب والأفارقة منح قصيدته أبعاداً خيالية جديدة ونقلتها من الإطار المحلي الضيق إلى فضاء الأدب العربي الفسيح. وأجمع المشاركان على الإشادة بمكانة أبوظبي عاصمة للثقافة والحب والجمال وحاضنة نسيج إنساني وفني فريد.
وناقشت الجلسة الثالثة التي جاءت بعنوان “الشعر النبطي الإماراتي في عيون الباحثين” الشعر النبطي الإماراتي بوصفه وثيقة تاريخية واجتماعية تسجل تفاصيل الحياة المحلية. وشهدت الجلسة التي أدارتها الدكتورة عائشة الشامسي رئيسة اللجنة العليا لجائزة كنز الجيل بمشاركة الكاتب والباحث علي أبو الريش، الفائز بالجائزة العام 2025 عن فئة الدراسات والبحوث، والدكتورة عائشة الغيص، الباحثة والأكاديمية، الفائزة بالجائزة العام 2022 عن فئة الدراسات والبحوث، حواراً حول قدرة النص النبطي على توثيق عناصر الحياة القديمة من ملبس ومهن وعادات، وسفر، وتفاصيل الغوص، والضيافة.
واستعرض المتحدثون المقارنة بين السرد الروائي والشعر النبطي؛ إذ قال أبو الريش إن الرواية تتسع لبناء اجتماعي وزماني ممتد، بينما يمتلك الشعر النبطي قدرة خاطفة على التقاط اللحظة الوجدانية وتخليد المفردة المحلية التي تعود في أصلها إلى العربية الفصحى.
وأكد الباحثون أن التحدي الأكبر يكمن في التعامل مع الشعر كتجربة إنسانية حية تحمل هموم المجتمع وليس كنصوص جامدة، مشيدين بالتقدّم الأكاديمي، والمؤسسي الذي تشهده دولة الإمارات عبر برامج الجامعات وجوائز متخصصة مثل “كنز الجيل” و”سرد الذهب”، التي انتقلت بدراسات الشعر النبطي من مرحلة الجمع والتجميع إلى آفاق التحليل العلمي والنقدي الأعمق.
ويعد معرض أبوظبي الدولي للكتاب، الذي ينظمه مركز أبوظبي للغة العربية التابع لدائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي، منصة ثقافية دولية تجمع الناشرين والمثقفين والمتخصصين والمكتبات والوكلاء والمؤسسات الثقافية والإعلامية، وتسهم عبر برنامجها الثقافي والمعرفي والمهني والتعليمي والإبداعي في تعزيز التواصل والتعاون وتطوير قطاع النشر والصناعات الإبداعية.







