قالت صحفيفة الجارديان البريطانية أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وبصفته استراتيجياً محنكاً، استغل خلال فترة ولاية ترامب الثانية فرصة التغيرات الجيوسياسية لتحقيق هدفه النهائي: إسرائيل الكبرى .
زبحسب تقرير لجريدة الجارديان البريطانية فعندما يُستحضر مصطلح “إسرائيل الكبرى” من قِبل اليمين الإسرائيلي، يُنظر إليه غالبًا على أنه مفهومٌ إقليميٌّ بحت: محاولةٌ لزيادة مساحة الأراضي التي تدّعي إسرائيل ملكيتها. وهذا بالتأكيد جزءٌ لا يتجزأ من معناه. فإسرائيل، منذ نشأتها، انتهجت سياسةً توسعيةً تضمنت تهجير الفلسطينيين وتشريدهم، وقد تسارعت هذه العملية بشكلٍ ملحوظٍ الآن.
خلال العامين والنصف الماضيين، سوّت إسرائيل قطاع غزة بالأرض وأعادت احتلاله ، ما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف من الأشخاص وتدمير بنيته التحتية المدنية، وحصر سكانه، وفقًا لتقديرات العام الماضي، في 12% فقط من شريط أرضه الضيق أصلًا.
وفي الضفة الغربية، تواصل إسرائيل حملة تدمير وتشريد تستهدف الشعب الفلسطيني وممتلكاته، وهي حملة غير مسبوقة منذ حرب الأيام الستة عام 1967، موسعةً بذلك نطاق سيطرتها وتوسع رقعة استيطانها.
بعد سقوط الرئيس السوري السابق وفقا للصحيفة البريطانية بشار الأسد عام ٢٠٢٤، استولت إسرائيل على أراضٍ في سوريا (تتجاوز هضبة الجولان التي ضمتها بشكل غير قانوني)، وهي بصدد إعادة بناء منطقة احتلال في جنوب لبنان. ويدعو وزراء في الحكومة من فصيلي الصهيونية الدينية والقوة اليهودية، ونواب من حزب الليكود، علنًا إلى السيادة الإسرائيلية والاستيطان في لبنان.
وقد دعا وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، إسرائيل إلى “التوسع حتى دمشق”، وزعم نتنياهو نفسه أنه يشعر “بارتباط وثيق” بهذه الرؤية الإقليمية لإسرائيل الكبرى.
مع ذلك، ينبغي النظر إلى إسرائيل الكبرى كمفهوم جيوسياسي واستراتيجي بقدر ما هي مفهوم إقليمي. فالاستحواذ على الأرض والسيطرة عليها، من نواحٍ عديدة، هو الجزء الواضح والسهل.
يسعى رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى تحقيق هدف أكثر طموحًا وتعقيدًا من مجرد السيطرة على الأراضي، ألا وهو مشروع هيمنة يقوم على تحالفات جديدة، مدعومة بالقوة العسكرية.
لفهم هذا، علينا العودة بضع سنوات إلى الوراء. فبعد الجرائم المروعة التي ارتُكبت بحق الإسرائيليين في السابع من أكتوبر، ومع اتضاح حجم ووحشية رد إسرائيل في غزة، تعثّرت مساعيها نحو الاندماج الإقليمي – أي تطبيع العلاقات مع جيرانها العرب – بشكل متزايد.
وواجه نتنياهو خيارًا: إما استئناف جهود التطبيع الإقليمي عبر نهج أكثر توافقًا مع الفلسطينيين، أو التمسك بموقفه الرافض لأي مستقبل فلسطيني. وباختياره الخيار الثاني، كان على نتنياهو إبعاد إيران عن موازين القوى الإقليمية، وهي خطوة استلزمت تدخلًا عسكريًا أمريكيًا مباشرًا وواسع النطاق إلى جانب إسرائيل.

في الأيام التي سبقت الحرب الإيرانية، لاحظ اثنان من الشخصيات الأمنية الإسرائيلية السابقة المؤثرة، واللذان كتبا لمعهد القدس للاستراتيجية والأمن، أنه من وجهة نظر الدول السنية الإقليمية الرئيسية، فإن الإطاحة بالنظام الإيراني أو إضعافه بشكل كبير من شأنه أن يرسخ مكانة إسرائيل كـ “القوة الإقليمية المهيمنة”.
ومن المهم الإشارة إلي أن إن تحقيق هذا الهدف لا يتطلب فقط انهيار إيران، بل يتطلب أيضاً إضعاف دول مجلس التعاون الخليجي – البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة – وجعلها تعتمد على إسرائيل في الأمن ومسارات تصدير الطاقة. بعبارة أخرى، يمكن اعتبار تداعيات الحرب المتمثلة في استهداف دول مجلس التعاون الخليجي بطائرات إيرانية مسيرة وصواريخ، سمةً مقصودةً من جانب إسرائيل، لا مجرد أثر جانبي مؤسف.
وكما كان متوقعاً، عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة هذه الحرب، تأثر وصول دول مجلس التعاون الخليجي إلى الأسواق العالمية عبر مضيق هرمز بشدة. وعندما صعّدت إسرائيل من حدة التوتر باستهدافها البنية التحتية للطاقة الإيرانية ، نفّذت إيران تهديدها بالرد بالمثل على دول الخليج.
انتهز نتنياهو الفرصة للدعوة إلى “طرق بديلة بدلاً من نقاط الاختناق في مضيق هرمز ومضيق باب المندب”، متوقعاً “خطوط أنابيب النفط والغاز المتجهة غرباً عبر شبه الجزيرة العربية وصولاً إلى إسرائيل، وصولاً إلى موانئنا على البحر الأبيض المتوسط”.
في تصريحاته العلنية، ربط نتنياهو بعض خيوط مشروعه لفرض هيمنة إسرائيل الكبرى. قبل أيام من اندلاع هذه الحرب، وخلال زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لإسرائيل، شارك نتنياهو رؤيته لإنشاء “نظام متكامل، أشبه بتحالف سداسي الأضلاع حول الشرق الأوسط أو داخله”، يضم “الهند، والدول العربية، والدول الأفريقية، ودول البحر الأبيض المتوسط (اليونان وقبرص)، ودول آسيا”. وستكون إسرائيل محور هذا التحالف.
ساهمت مقالة نُشرت مؤخرًا باللغة العبرية، كتبها اثنان من كبار المسؤولين في معهد الاستراتيجية الرسمي التابع لجيش الدفاع الإسرائيلي، في توضيح بعض جوانب الموضوع. فقد جادلا بأن الجيش الإسرائيلي لن يكتفي بغزو الأراضي بشكل مباشر، بل سيحقق أيضًا “سيطرة عملياتية حتى في مناطق بعيدة عن حدود إسرائيل، دون احتلالها أو السيطرة عليها”.

وستُمنح إسرائيل “مكانة متميزة كملكة للغابة” (إذ يُشار إلى بقية الشرق الأوسط بـ”الغابة” في الخطاب السياسي الإسرائيلي)، مما يُرسي “نظامًا إقليميًا يُعزز أهداف إسرائيل”.
في خطاباته الأخيرة ، بدأ نتنياهو بالإشارة إلى إسرائيل ليس فقط كـ”قوة عظمى إقليمية”، بل “في بعض النواحي، قوة عظمى عالمية”. تسعى إسرائيل إلى وضع نفسها في قلب تحالف إقليمي يمكن الحفاظ عليه حتى في حال تراجع النفوذ الأمريكي. وقد وعد نتنياهو بنشر هذا التحالف السداسي ضد “المحور الشيعي الراديكالي… والمحور السني الراديكالي الناشئ”. ولم تتردد إسرائيل في تسمية “التهديد” التالي الذي يجب التصدي له : تركيا.
قد يُنظر إلى الحديث عن سيادة إسرائيل الكبرى على أنه مجرد مبالغة معتادة في زمن الحرب. لكن السياسة الإسرائيلية الأخيرة تُشير إلى أن ذلك سيكون خطأً فادحاً. فالتوجه الحربي الدائم متأصلٌ في الطبقة السياسية الإسرائيلية، حكومةً ومعارضةً، ومؤسسةً أمنيةً، ونخبةً من اليمين الجديد، ووسائل الإعلام. إلا أن هذا التفكير ينطوي على مخاطر جسيمة للتجاوزات وردود الفعل العكسية؛ فهو يُشكل خطراً على إسرائيل نفسها، ولن تقبله المنطقة. ”
الجارديان – ترجمة: حسام أبو العلا


