قبل ستة وعشرين عاماً تخلصت الدنيا من أحد أكابر مجرميها، طاغية سوريا الذي ظنّ أنه لا يموت، وظن أن الفلك قد توقف عن الدوران وأن عرشه قد سُمِّر فيه بمسمار فلا يَحُول ولا يزول. إلا أن ملائكة العذاب كانت بشوق لاستلال روحه الخبيثة من جسده الخبيث، فما أسرعَ ما قبَضَته وطارت به إلى عذاب البرزخ، وبئس المصير.
في ذلك اليوم فرح أهل الأرض وتأذّى أهل السماء، فكأني أسمعهم يقولون (كما وصفهم الحديث الصحيح): “روح خبيثة جاءت من قِبَل الأرض”، وكأني أراهم يغطّون آنافهم من شدة نَتَنها، كما فَعَل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يصوّر فِعْلَ أهل السماء.
إن في هذه الحادثة لعبرة لكل الطغاة، ولكن الطغاة لا يعتبرون لأنهم لا يملكون أجهزة الاستشعار البشرية، ولأنهم نَسُوا الله فنسيهم وأنساهم أنفسهم، فهم كالأنعام أو أضل من الأنعام، لا يفقهون ولا يدركون ولا يعتبرون، ولو اعتبروا لرأوا أن المُلْك لم يبقَ لمن قبلهم ليبقى لهم، وأنهم مهما طَغَوا وبَغَوا فسوف تبلعهم الأرض ويأكلهم الدود.
نعم، إن في مصير هذا الطاغية لعبرة لكل الطغاة، وإن فيه البسلم والشفاء لنفوس قرّحها طغيان الطغاة وظلم الظالمين، وإن يوم الحساب لقريب.


