في تاريخ الشعوب أيام عابرة تمر ثم تنسى وأيام أخرى تتحول إلى علامات فارقة تصنع مستقبل الأمم وتبقى حاضرة في وجدان الأجيال وكان الـ26 من سبتمبر واحدا من تلك الأيام الخالدة التي غيرت وجه اليمن وفتحت أمامه طريقًا جديدا نحو الحرية والكرامة والجمهورية.
لقد جاءت ثورة سبتمبر بعد حقبة طويلة من العزلة والانغلاق حين كان اليمن يرزح تحت واقع أقعده عن مواكبة التحولات التي شهدها العالم من حوله فكان لا بد أن تنهض إرادة الأحرار لتعلن أن اليمن ليس وطنا للماضي وحده بل وطن قادر على صناعة مستقبله والانطلاق نحو آفاق أرحب.
وحين دوى صوت الثورة في صنعاء لم يكن مجرد إعلان لتغيير نظام حكم بل كان إعلانًا لميلاد فكرة جديدة فكرة أن الشعب هو مصدر السلطة وأن الوطن يتسع لجميع أبنائه وأن العلم والمعرفة والتنمية هي الطريق الحقيقي لبناء الدولة الحديثة ومن هنا اكتسبت سبتمبر مكانتها في الوعي الوطني بوصفها ثورة نقلت اليمن من مرحلة إلى مرحلة ومن واقع ضيق إلى أفق واسع.
لقد فتحت الجمهورية أبوابا كانت موصدة وأطلقت أحلاما كانت مؤجلة وأعادت لليمنيين ثقتهم بأنفسهم وقدرتهم على التغيير فانتشرت المدارس وتوسعت فرص التعليم وبدأت ملامح الدولة الحديثة بالتشكل وأصبح اليمن جزءا من حركة التاريخ بعد أن ظل طويلًا بعيدا عنها.
ولأن سبتمبر لم تكن مجرد حدث سياسي فقد تحولت إلى رمز وطني يتجاوز حدود الزمن فهي تمثل إرادة اليمنيين في التحرر من كل أشكال الاستبداد وتمثل إيمانهم بأن الكرامة حق وأن الحرية قيمة لا يمكن التفريط بها وأن الوطن لا يبنى إلا بسواعد أبنائه جميعا.
لقد دفع اليمنيون ثمنا باهظا دفاعا عن الجمهورية ومبادئها وقدموا تضحيات جساما من أجل أن تبقى راية سبتمبر مرفوعة وما تزال تلك التضحيات حاضرة في ذاكرة الوطن تذكر الأجيال بأن ما تحقق لم يكن منحة مجانية بل ثمرة نضال طويل وإيمان عميق بحق اليمن في الحياة الحرة الكريمة.
واليوم ونحن نستحضر ذكرى السادس والعشرين من سبتمبر فإننا لا نستدعي الماضي فحسب بل نستحضر المعاني العظيمة التي حملتها الثورة ونؤكد أن الجمهورية ليست ذكرى تحتفل بها مرة في العام بل مشروعٌ وطني متجدد يقوم على الحرية والعدالة والمواطنة المتساوية وسيادة القانون.
سيبقى سبتمبر فجرا أضاء طريق اليمنيين وستبقى الجمهورية الحلم الذي اجتمع حوله الأحرار وستظل تضحيات الثوار ومن ساروا على دربهم منارة تهدي الأجيال إلى أن الأوطان العظيمة لا تصنعها الصدفة بل تصنعها الإرادة والإيمان والتضحية.
رحم الله شهداء الثورة والجمهورية وحفظ اليمن أرضا وإنسانا وجعل من سبتمبر شعلة متقدة في ضمير الوطن تذكر الجميع بأن الحرية التي انتزعها الآباء تستحق أن تصان وأن الجمهورية التي أشرقت في فجر السادس والعشرين من سبتمبر ستبقى عنوانا لعزة اليمن وكرامة أبنائه.


