في المجتمعات التي تحترم صحة الإنسان وتدرك قيمة الحياة، تعد الصيدلية جزءًا لا يتجزأ من المنظومة الطبية، وحلقة أساسية في سلسلة الرعاية الصحية التي تبدأ بالطبيب ولا تنتهي إلا بوصول الدواء الصحيح إلى المريض بالطريقة الصحيحة غير أن هذه الرسالة النبيلة بدأت في بعض الأماكن تفقد معناها الحقيقي عندما تحولت بعض الصيدليات من مؤسسات صحية تحمل مسؤولية إنسانية إلى مجرد دكاكين للبيع والشراء، لا يهمها من الأمر إلا حجم الإيرادات اليومية وعدد العلب المصروفة.
إن الطبيب قد يجتهد في التشخيص فيصيب أو يخطئ، والمريض قد يسيء استخدام العلاج أو يهمل التعليمات الطبية، لكن الخطورة الكبرى تكمن عندما يصل المريض إلى الصيدلية، وهي المحطة الأخيرة التي يفترض أن تكون الأكثر أمانًا ودقةً وحرصا على سلامته، فيجد نفسه أمام شخص لا يمتلك التأهيل الكافي، أو أمام عقلية تجارية لا تنظر إلى الدواء إلا باعتباره سلعة تباع وتشترى.
لقد أصبحت عبارة “هذا بديل لنفس العلاج” تتردد كثيرًا في بعض الصيدليات دون مراعاة للفروقات الدقيقة بين الأدوية أو للحالة الصحية الخاصة بالمريض وفي كثير من الأحيان يتم استبدال الأدوية الموصوفة بأخرى مختلفة فقط لأنها تحقق ربحا أكبر أو لأنها متوفرة في مخزن الصيدلية وقد يخرج المريض مطمئنًا وهو لا يعلم أنه يحمل علاجا مختلفا قد لا يؤدي الغرض المطلوب أو قد يسبب له مضاعفات صحية خطيرة.
والمؤسف أن بعض الصيدليات لم تعد تكتفي بصرف الأدوية، بل تجاوزت ذلك إلى ممارسة دور الطبيب نفسه، فتشخص الأمراض وتصف العلاجات اعتمادا على وصف سريع للأعراض من المريض، وكأن سنوات الدراسة الطبية والتدريب والخبرة يمكن اختصارها في دقائق معدودة خلف منضدة بيع وهنا تتضاعف المخاطر، لأن التشخيص الخاطئ يقود إلى علاج خاطئ، والعلاج الخاطئ قد يقود إلى نتائج كارثية.
كم من مريض يعاني من خمول في المعدة أو اضطرابات هضمية بسيطة، فيصرف له دواء لا علاقة له بحالته الحقيقية، أو دواء يحمل آثارا جانبية خطيرة قد تؤدي إلى مضاعفات لم تكن موجودة أصلًا وكم من مريض يعاني من مشكلة في الكبد أو دوالي المريء، فيصرف له دواء مختلف تماما بسبب الجهل أو الإهمال، لتكون النتيجة نزيفا أو تدهورا صحيا كان بالإمكان تجنبه لو تم الالتزام بالوصفة الطبية والتعليمات الصحيحة.
إن المشكلة لا تكمن فقط في وجود أخطاء فردية، فالأخطاء واردة في كل المهن، ولكن الكارثة الحقيقية تكمن في تكرار هذه الأخطاء وتحولها إلى سلوك اعتيادي لا يقابله أي شعور بالمسؤولية أو المحاسبة فحين يصبح الربح هو المعيار الأول، تتراجع الأخلاق المهنية إلى الخلف، ويتحول المريض من إنسان يحتاج إلى الرعاية والاهتمام إلى مجرد زبون يحمل محفظة نقود.
ولا يمكن إنكار أن هناك آلاف الصيادلة الشرفاء الذين يؤدون رسالتهم بإخلاص وأمانة، ويقفون سدا منيعا أمام الأخطاء الطبية، ويرفضون صرف أي دواء يثير الشك أو يتعارض مع سلامة المريض هؤلاء يمثلون الوجه الحقيقي لمهنة الصيدلة، ويستحقون كل التقدير والاحترام لكن وجود هذه النماذج المضيئة لا يمنع من الاعتراف بوجود ممارسات خاطئة تستوجب الوقوف أمامها بحزم.
إن الحاجة اليوم ليست إلى افتتاح المزيد من الصيدليات بقدر ما هي حاجة إلى تعزيز الرقابة المهنية، ورفع مستوى التأهيل العلمي، ومنع غير المختصين من العبث بصحة الناس فالصيدلية ليست مشروعا تجاريا عاديا، والدواء ليس سلعة استهلاكية كغيره من السلع إن خطأً واحدا في صرف دواء قد يكلف إنسانا صحته أو حياته، وقد يترك أسرة كاملة تعاني تبعات ذلك لسنوات طويلة.
إن المجتمع بحاجة إلى إعادة الاعتبار للرسالة الإنسانية التي قامت عليها مهنة الصيدلة، وإلى ترسيخ مفهوم أن الصيدلي شريك في حماية حياة الإنسان، لا مجرد بائع خلف رفوف الأدوية فالأمانة الطبية لا تقاس بحجم المبيعات، وإنما بقدرة صاحبها على الحفاظ على أرواح الناس وصحتهم.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح إلى متى ستظل بعض الصيدليات تنظر إلى المرضى باعتبارهم زبائن فقط؟ ومتى يدرك الجميع أن الدواء رسالة ومسؤولية قبل أن يكون تجارة وربحا؟ إن صحة الإنسان أغلى من أي مكسب مادي، والأرواح ليست مجالًا للمغامرة أو التجربة، ومن يتعامل مع الدواء يجب أن يدرك أنه يتعامل مع حياة البشر، وهي أقدس من أن تختزل في فاتورة بيع أو هامش ربح.







