همة عقبة بن نافع
ولنتذكر -كذلك- همة عقبة بن نافع حين فتح -باسم الله- المغرب العربي كله، ووقف على شاطئ المحيط فوق جواده، وقال:
“اللهم رب محمد! لو أني أعلم وراء هذا البحر أرضًا يابسة لاقتحمت بفرسي هذا الموج الهائج، لأنشر اسمك العظيم في أقصى بقاع الأرض”.
همة الإمام أحمد
ولنتذكر -كذلك- همة الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وجراءته التاريخية وصموده الجبلي وثباته الأسطوري ووقفته الصامدة -في فتنة خلق القرآن- التي حولت مسار التاريخ وأنقذت الأمة من ضلال مبين إلى يوم الدين.
همة طارق بن زياد
ومن منا لم يسمع أو يقرأ عن همة المجاهد طارق بن زياد فاتح الأندلس -ذلك الفردوس الإسلامي المفقود- وخطبته التاريخية التي أشعل بها قلوب الجنود حماسة، وملأها شوقا وتحنانًا إلى الشهادة أو الفتح، وهى -الخطبة- من عيون الخطب التي سجلت وحفظت في التاريخ، و لجديرة بأن تعاد ـمن حين لآخر- قراءتها وسماعها حتى يتجدد الحماس، وحتى تتجدد في الأذهان ذكريات التضحيات الجبارة التي قام بها سلف هذه الأمة وبطولاتهم الرائعة وهممهم العالية العازمة التي لم تعرف للكسل أو الوقوف معنى وللتقدم والطموح والسبق حدًا، فمما قال طارق بن زياد لدى فتح الأندلس وهو يخاطب الجنود:
“أيها الناس! أين المفر؟ البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، و ليس لكم والله إلا الصدق والصبر، واعلموا أنكم في هذه الجزيرة [أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام] وقد استقبلكم عدوكم بجيشه وأسلحته، وأقواته موفورة، وأنتم لا وزر لكم إلا سيوفكم، ولا أقوات إلا ما تستخلصونه من أيدي عدوكم، وإن امتدت بكم الأيام على افتقاركم، ولم تنجزوا لكم أمرًا ذهب ريحكم، وتعوضت القلوب من رعبها منكم الجرأة عليكم، فادفعوا عن أنفسكم خذلان هذه العاقبة من أمركم بمناجزة هذه الطاغية، فقد ألقت به إليكم مدينته الحصينة، وإن انتهاز الفرصة فيه لممكن إن سمحتم لأنفسكم بالموت، وإني لم أحذركم أمرًا أنا عنه بنجوة، ولا حملتكم دوني على خطة أرخص متاع فيها النفوس، أبدأُ بنفسي، واعلموا أنكم إن صبرتم على الأشق قليلًا استمتعتم بالأرفه الألذ طويلًا، فلا ترغبوا بأنفسكم عن نفسي، فما حظكم فيه بأوفر من حظي، وقد بلغكم ما أنشأت هذه الجزيرة من الخيرات العميمة، وقد انتخبكم الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين من الأبطال عربانًا، و رضيكم لملوك هذه الجزيرة أصهارًا وأختانا ثقة منه بارتياحكم للطعان، وسماحكم بمجالدة الأبطال والفرسان، ليكون حظه منكم ثواب الله على إعلاء كلمته و إظهار دينه بهذه الجزيرة، وليكون مغنمها خالصة لكم من دونه ومن دون المؤمنين سواكم، والله ولى أنجادكم على ما يكون لكم ذكرًا في الدارين، واعلموا أني أول مجيب إلى ما دعوتكم إليه، وأني عند ملتقى الجمعين حامل بنفسي على طاغية القوم لذريق فقاتله إن شاء الله تعالى، فاحملوا معي، فإن هلكت بعده فقد كفيتم أمره، ولم يعوزكم بطل عاقل تسندون أموركم إليه، وإن هلكت قبل وصولي إليه، فاخلفوني في عزيمتي هذه، واحملوا بأنفسكم عليه، واكتفوا الهم من فتح هذه الجزيرة بقتله”. (1).
وكذلك إذا قرأنا تاريخ العظماء الآخرين -من العلماء والفقهاء والمحدثين والخلفاء الصالحين- الذين خلدت آثارهم وعظمت أعمالهم، رأينا أنهم لم ينالوا ما نالوا من المجد المؤثل والشهرة الواسعة التي طبقت الآفاق، إلا بعد أن عصروا كل قطرة من قطرات حياتهم، وأذابوا حبات قلوبهم، وواصلوا الليل بالنهار جهدًا مستمرًا، وعملًا لا ينقطع، واستفادة قصوى من كل ثانية من ثواني العمر الذي إذا ذهب وانتهى لن يعود.
يقول ابن الجوزي -رحمه الله- وهو يحث على بذل أقصى الجهد في إحراز الممكن من المعالي والمراتب: “فينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه، فلو كان يتصور للآدمي صعود السماوات لرأيتُ من أقبح القبائح رضاه بالأرض، ولو كانت النبوة تحصل بالاجتهاد لرأيت المقصر في تحصيلها في حضيض”. (2).
فبوسع الإنسان -بتوفيق الله ونصره- الوصول إلى أصعب الغايات وإحراز منتهى الأماني والأحلام إذا كان صاحب همة علياء:
وما استعصى على قوم منال
إذا الإقدام كان لهم ركابًا
وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
طموح عمر بن عبد العزيز
فصاحب النفس الطموح التواقة لا يقنع بمنزلة مهما كانت سامية، فإذا حقق هدفًا، تاق إلى أسمى منه.. فهذا عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- أولًا تاقت نفسه إلى العلم بالدين والعربية فنال منهما قدرًا كبيرًا، ثم تتطلع همته إلى ولاية المدينة ليصلح فيها ويعمر فينال ذلك، ثم تتطلع همته إلى خلافة المسلمين فيلي أمورهم بالحق والعدل، فلما ولي الخلافة وهي أسمي ما تطمح إليه النفس في الدنيا تطلعت همته إلى ما هو أسمى وأبقى.. تطلعت إلى الآخرة.
يقول عمر بن عبد العزيز: «إن لي نفسًا تواقة، كلما وصلت إلى شيء تاقت إلى ما هو أعلى منه، تاقت نفسي إلى العلم وإلى العربية والشعر فأصبت منه حاجتي وماكنت أريد، ثم تاقت نفسي وأنا في السلطان إلى اللبس والعيش الطيب، فما علمت أحدًا من أهل بيتي ولا غيرهم كان في مثل ما كنت فيه، ثم تاقت نفسي إلى الآخرة والعمل بالعدل، فأنا أرجو ما تاقت نفسي إليه من أمر آخرتي».
صبر الإمام الشافعي
وهذا الإمام الشافعي الذي يعد من أعلام الأمة المتبوعين وأئمتها الأربعة، الذين لقيت مذاهبهم من القبول والمرجعية ما لم يقدر للعلماء الآخرين -مع الاعتراف الكامل بجلالة قدرهم-، هذا الإمام الجليل يحكي قصة بداية حياته التي كانت حياة فقر وضنك وضيق، فلم يزل يواصل سعيه في طلب العلم والحديث في همة وصبر وطموح -إلى أن بلغ ما بلغ إليه من المكانة المغبوط عليها ما ليس بخاف على مطلع خبير، يقول الشافعي رحمه الله-: «ثم لما خرجت من الكتاب كنت اتلقط الخزف والدفوف -الجلود- وكرب النخل، وأكتاف الجمال أكتب فيها الحديث، وأجيء إلى الدواوين، فاستوهب منها الظهور فأكتب فيها، حتى كانت لأمي حباب – فملأتها أكتافًا وخزفًا مملوءة حديثًا، ومن ظن أن العلم يحصل له بلا تعب فقد ظن المستحيل»، قال يحيى بن كثير: “لا يستطاع العلم براحة الجسم”.
أرأيت كيف تحمل الشافعي المشاق والمتاعب في سبيل العلم، فقد كان يلتقط الخزف وأكتاف الجمل وغيرها ليكتب فيها، وظل على هذا يجتهد ويسعى إلى أن عُدّ من اعلام فقهاء الأمة ومجددي الدين، (من كانت بدايته محرقة، كانت نهايته مشرقة). يقول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله: كان في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وفي المائة الثانية: الشافعي، وأيضًا يقول: إني لأدعو للشافعي في صلاتي منذ أربعين سنة، واستغفر له، وكان -والقول ما زال لأحمد- كالشمس للدنيا، وكالعافية للبدن، فهل ترى لهذين من خلف أو عنهما من عوض.
ومعلوم أن الشافعي يعد رائد “علم أصول الفقه” الذي كانت الحاجة ماسة إليه لوضع قواعد تعين على فهم النصوص، وتضبط الاجتهاد والقياس بالنصوص والآثار، والمسائل بالقياس المنضبط بالنصوص لا بالرأي المجرد، فأخرج كتابه: “الرسالة” التي تعتبر باكورة هذا العلم، قال صاحب مراقي السعود:
أول من ألفه في الكتب
محمد بن شافع المطلبي
فالشافعي قد ابتكر علم أصول الفقه” ذلك العلم الذي يعتبر بمثابة “الدستور” الذي يضبط للفقهاء مسائلهم، ويحسم الاختلاف في فهم النصوص ودلالاتها، أو كما يصفه بعض الباحثين: “سكة الحديد” التي تؤمن للقطار الاستقامة في سيره.
فتكاليف المجد باهظة، وتحصيل العلم يكلف الكثير من التضحية، والتعب والجهد، وما يتناهى في طلب العلم إلا عاشق العلم، والعاشق ينبغي أن يصبر على المكاره.
صبر أحمد بن حنبل
ولما آثر أحمد بن حنبل -رحمه الله- طلب العلم، وكان فقيرًا، بقى أربعين سنة، يتشاغل به ولا يتزوج، ومن يطيق ما أطاق، فقد ردّ من المال خمسين ألفًا، وكان يأكل الكافح، ويتأدم بالملح.
فما شاع له الذكر الجميل جزافًا، ولا ترددت الأقدام إلى قبره إلا لمعنى عجيب، فيا له ثناء ملأ الآفاق، وجمالًا زين الوجود، وعزًّا نسخ كل ذل. (3).
والأمة في العصر الحاضر بحاجة إلى من يجدد لها ذكريات هؤلاء الأعلام، وأعمالهم البطولية، وتنتظر من الشباب خاصة أن يعيد إليها أمجاد خالد، وسعد، وأبي عبيدة، وطارق بن زياد، وموسى بن نصير، وصلاح الدين، والأئمة المتبوعين من العلماء والفقهاء والمحدثين ممن سطروا أروع الصفحات على هامة الزمان.
إن الأمة مطالبة اليوم بأن تقدم للبشرية كما قدمت بالأمس، ولن تفعل ذلك -كما يقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي- وهي كل على غيرها في العلم والعمل، تستورد غداءها كما تستورد سلاحها:
وما يجديك افتخارك بالأوالي
إذا لم تفتخر فخرًا جديدًا
فلا يشفع لها التغني بأمجاد الماضي إذا لم تصل أسبابه بالحاضر، وإلا صدق فيها ما قاله الشاعر قديمًا:
إلهي بني تغلب عن جل أمر همو
قصيدة قالها عمرو بن كلثوم
يفاخرون بها منذ كان أولهم
يا للرجال لشعر غير مسئوم
إن القديم إذا ما ضاع آخره
كصارم فلت الأيام مثلوم
واجب شباب اليوم:
إن الشباب المسلم اليوم في حيرة يجب أن يكونوا بعيدين عنها كل البعد.. وقد أعجبتني كلمة قالها مفكر قديم عن الحيرة.. يقول: “هناك حيرة.. هذه الحيرة تحيط بالجاهل، ولكن العالم يحيط بها”، هكذا يجب أن يكون الشباب المسلم يحيط بالحيرة ويقضى عليها، ويتقدم إلى الأمام بهمة السلف وطموحاتهم، مستنيرًا بالرسالة الإسلامية العظيمة التي -كما وصفها بعض كبار الدعاة بقوله الرائع البليغ-: “امتدت طولًا حتى شملت آباد الزمن، وامتدت عرضًا حتى انتظمت آفاق الأمم، وامتدت أفقًا، حتى استوعبت شؤون الدنيا والآخرة”.
بعض الشباب أصيب -أخيرًا- بالإحباط والقنوط والتشاؤم من مستقبل الإسلام والمسلمين خصوصًا بعد وفاة عدد كبير من العلماء الكبار في الأعوام الأخيرة، وقد استنكر سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز -رحمه الله- هذه الفكرة التشائمية والقنوطية، ورد عليها حينما سأله بعض الناس قائلًا: ألا ترى أن هذا هو زمن الهجرة و اعتزال الناس إلى الصحراء؟ فما كان من الشيخ -يرحمه الله- إلا أن قال له: بل هذا هو زمن طلب العلم وتعلمه ومصاحبة العلماء، والنهل من علمهم، وهذا -بالضبط- الذي فعله عبد الله بن عباس رضي الله عنه حبر الأمة عند وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد كان وقتها صبيًّا، وكان معه فتى من الأنصار، فقال للأنصاري يستحثه على ملازمة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ العلم والحديث عنهم، ولكن الفتى الأنصاري تقاعس، واجتهد ابن عباس في طلب العلم والحديث بصبر وهمة ليس لهما مثيل، ودارت الأيام حتى رأى الأنصاري ابنَ عباس و هو جالس يحدث ويفتى، والناس حوله حلقًا حلقًا، فقال الأنصاري: “إن هذا الفتى القرشي أعقل منى”.
فلينفض الشباب التشاؤم والتكاسل والتقاعس، وليكونوا كما كان سلفهم من ذوي الغيرة والطموح والهمة العالية والسباق إلى المعالي:
ولم أر في عيوب الناس عيبًا
كنقص القادرين على التمام
وليدأبوا على التقدم غير مبالين بعقبات الطريق وعوائقه، فإنها كالنار التي تعجم عود الإنسان الدائب المكافح المناضل، وتظهر معدنه، وتفتق قريحته، وتفجر فيه ما خفي عنه من طاقات وملكات، وليذكروا همم العمالقة من أجدادنا أيام كانوا يهتفون في الشدائد والملمات: “الغمرات ثم ينجلينا” أي تقبل الأحداث القاسية والمصاعب على الرجال فيحسنون لقاءها وعلاجها ويثبتون لها، حتى تنجلي وتزول.. ويبقى الرجال كما هم!
فليشمر الشباب عن ساق الجد للقيام بما قام به سلفهم من أعمال مجيدة خلدتهم.
يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ينعى على القادرين على العمل – وعلى رأسهم طبعًا الشباب – تقاعسهم عن العمل وتكاسلهم وإخلادهم إلى الراحة: «أعوذ بالله من جلد الفاجر وعجز الثقة».
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم بعد ما شرف بأعباء النبوة: «مضى عهد النوم يا خديجة»!
يا نؤوم الضحى عليك الاستيقاظ قبل أن يجف ضرع الناقة!
{وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون}.
الهوامش:
(1) مختارات أبي الحسن الندوي.
(2) صيد الخاطر، ص: 151
(3) نفس المصدر: 442.
(ليلة الأربعاء.: 10 من ربيع الثاني 1448ھ = 22 من سبتمبر 2026م).


