تستطيع المرأة أن تبلغ أعلى مراتب العلم والفضل والنبوغ والكمال وتستطيع كذلك – أن تسمو إلى أعظم درجات الصلاح والبر والتقوى، والطاعة والإحسان، والتزكية والولاية والقرب من الله ماعدا النبوة فإنها أو الرسالة كانت خاصة بالرجال من عباد الله المصطفين الاخيار الأطهار دوما أرسلنا من قبلك الا رجالا نوحي اليهم كما تقدر المرأة على أن تقوم بدور بطولي شجاع في ساحات الوغى ومعامع الكفاح والنضال، والتاريخ الإسلامي يزدان بما لا يحصى من النماذج المضيئة والمواقف المشرفة للمرأة المسلمة في المجالات المشار إليها ، ونستعرض – فيما يلي – بعض هذه النماذج والأدوار والمثل العليا للمرأة المسلمة.
المرأة المسلمة في مجال العلم
لقد نبغ وبرز الكثير من النساء في مجال العلم والبحث اللاتي أخذن من منهل “العلم” العذب بحظ وافر غبطهن فيه كبار حملة العلم، وتخصصن في فروع المعرفة المختلفة فكانت هنالك من النساء الفاضلات الراسخات في العلم من يراجعهن جلة العلماء وأفاضلهم في مسائل العلم والبحث والفقه والفتيا، وغيرها من أنواع المعرفة، والذهن يتبادر بطبيعة الحال عند ذكر المتضلعات من العلم المتفقهات في الدين الى اعلم نساء الأمة وأحب الزوجات الطاهرات الى النبي الكريم -صلى الله عليه وسلم – السيدة عائشة الصديقة رضي الله عنها التي ارتشفت من رحيق النبوة العلمي مباشرة، فارتوت فأحسنت الارتواء فلا تسأل عن مدى تبحرها العلمي ونبوغها المعرفي، وإحاطتها بالعلوم المختلفة حتى كان كبار فقهاء الصحابة يرجعون إليها في أمهات المسائل وأهم القضايا ويقتنعون بإجابتها، وقد صرح العديد من كبار علماء الأمة بكون عائشة أعلم نساء الأمة، فمن ذلك ما ينسب الى الامام الزهري قوله: “لو جمع علم عائشة إلى علم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل”.
ويقول هشام بن عروة عن أبيه قال: “لقد صحبت عائشة (وهي خالته فما رأيت أحداً قط كان أعلم بآية نزلت، ولا بفريضة ولا بسنة ولا بشعر ولا أروى له، ولا بيوم من أيام العرب ولا بنسب ولا بكذا ولا بكذا، ولا بقضاء ولا طب منها … “(1)
كذلك كان العلماء الكبار يهتمون بتعليم بناتهم غاية الاهتمام وما كانت دروسهم وأشغالهم العلمية تحول دون تربية وتثقيف بناتهم فضلا عن أبنائهم…. فقد ذكرت الكتب أن بنت الامام مالك بن أنس كانت إحدى عالمات عصرها الكبيرات، وقد حفظت الموطأ، وأتقنت حفظه وكانت تقف خلف الباب، فإذا أخطأ التلميذ نقرت الباب فيفطن مالك فيرد عليه (2).
ونحب أن نذكر نموذجا آخر من أولئك الفاضلات اللاتي حملن العلم وبرعن في الفقه والفتوى ممن نشأن في بيوت عريقة معروفة باحتضانها للعلم، فقد ذكرت المصادر السيدة الفقيهة فاطمة بنت الإمام الفقيه الحنفي الشيخ محمد بن أحمد السمرقندي التي نشأت وترعرعت في كنف والدها الفقيه الجليل السمرقندي، إنها فتحت عينيها على الدنيا لترى من حولها كتب الفقه والأصول والحديث والتفسير، وأمامها قدوة صالحة ذلك الأب العالم الذي يقضي يومه في الدرس والتأليف، ويقوم ليله عابدا متهجدا، ولكن ذلك لم يشغله عن الاهتمام بتعليم أولاده وتدبير أمور بيته، فأدب ابنته واعتنى بتربيتها كامل العناية، وتعلمت الخط الجميل حتى برعت فاطمة وتخرجت على أيدي جماعة من العلماء والفقهاء، وأصبحت بنت السمرقندي أشهر فتاة في كاسان علما وفضلا وفهما وأدبا، وكان أبوها يعرض فتاواه عليها لتعلق عليها ، ثم توقع بعد توقيعه، فلا تخرج فتوى من عند السمرقندي الفقيه الحنفي ! وعليها توقيعان: توقيعه وتوقيع ابنته العالمة فاطمة. (3)
وهذه امرأة رابعة من النساء المعروفات بالعلم والفضل، وهي بنت سعيد بن المسيب الذي أحسن تربيتها وتعليمها فبرزت في علمه حتى عدت من أفضل نساء عصرها علما وفضلا وأدبا، ولما دخل بها زوجها الذي كان من تلاميذ أبيها، وأصبح الصباح، أخذ رداءه بريد الخروج فقالت له زوجه: إلى أين تريد؟ فقال: إلى مجلس أبيك سعيد فقالت له: اجلس وأنا أعلمك علم سعيد كله. (4)
هؤلاء نساء من تاريخنا.. نساء طلبن العلم وتمكن منه وأتقن فيه… حتى أصبحن أهلا لأن يعلمن أزواجهن العلماء الفضلاء.. فتاريخ العلم في الإسلام تاريخ يلمع فيه الرجال كما تلمع فيه النساء ونبغ فيه الذكور كما نبغت فيه الإناث.
هذه أربعة نماذج فقط لأولئك الآلاف من النساء اللاتي وصلن الى درجة عالية يشار اليها بالبنان في العلم والإفادة وعظم قدرهن في الفقه والفتوى ولعل عن هؤلاء النساء العبقريات قال الشاعر:
ولو كان النساء كمثل هذي ::: لفضلت النساء على الرجال
نعم، فالمجال لطلب العلم والوصول الى ذرى المجد والنبوغ مفتوح على السواء لكل من الرجل والمرأة فلا حجر ولا استئثار ولا احتكار للعلم من قبل الرجال فمن جد وجد أو من جدت وجدت فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى) فالمرأة تقدر على أن تضارع الرجل علما وفضلا، فهماً وفقها، اذا اعتني بتربيتها وتعليمها، وأتيحت الفرصة لتقدمها وتعلمها، والكشف عن مواهبها التي أودعها ربها إياها فالنساء شقائق الرجال، كما يجب على المرأة نفسها ألا تألو جهدا في تحصيل العلم والأدب، كما عليها ألا تقصر أيضا في الاستفادة من التكنولوجيا الحديثة والتتبع لكل جديد نافع فالحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق بها.
المرأة والأدب
ذكرنا الى هنا نماذج من النساء العالمات الفقيهات ونحب أن نذكر جانبًا من النساء الأدبيات اللاتي كانت لهن براعة فائقة في التصرف في الكلام حسب الظروف والملابسات، وقد أنقذت قدرة إحداهن على التعبير عن أدق المواقف وأخرجها من مصيبة كادت تقع فيها، كما حصدت في نفس الوقت اعجاب أحد كبار بلغاء عصرها الفصاحة لسانها وتعبيرها الساحر المؤثر الذي اضطر مخاطبها البليغ الخبير بفنون الكلام إلى أن يتجاوب مع شعورها ويحس احساسها فيتعاطف معها في حل مشكلتها، فقد حدثت كتب التاريخ والأدب عن موقف لامرأة مع الحجاج بن يوسف الثقفي الذي احتجز زوجها وابنها وأخاها فذهبت المرأة الى الحجاج تستعطفه وتطلب العفو عنهم جميعا فشفعها في واحد منهم تختاره من بين الثلاثة وكأنه بذلك يختبر ذكاءها ويسير غور عاطفتها في موقف تتوزع فيه العاطفة، ويحار فيه الذكاء ولكن المرأة قالت: “أما الزوج فموجود، وأما الابن فمولود، وأما الأخ فمفقود”، فكان لهذا الكلام المحلى بالسجع المطرب الجميل فعل السحر في نفسه من حيث حسن تقسيم جمله وسجعه اللذين استدعاهما مقام الحديث فما كان منه الا أن أطلق سراح الثلاثة جميعا . (5)
ولا شك أن الفضل في تحلى المرأة بحلية العلم والأدب يرجع الى الإسلام الذي جعل العلم عبادة وطلبه فريضة على كل مسلم فقد حث الإسلام على العلم منذ لحظة نزوله الأولى، فكانت المرأة في الجاهلية جاهلة لا تقرأ ولا تكتب فقد كانت الأمية خاصة لدى عرب الشمال في نجد والحجاز متفشية فيهم بشكل شامل، وعندما ظهر الإسلام الحنيف كان في قريش كلها كما تذكر المصادر العلمية سبعة عشر رجلا فقط يقرؤون ويكتبون وسبع نساء بعضهن يقرآن ويكتين والبعض الآخر منهن يقرأن فقط ولا يعرفن الكتابة، فلما جاء الإسلام أعطى المرأة حقوقها ورفع عنها الظلم وشجعها على طلب العلم والأدب فتعلمت وتأدبت وبلغت في ذلك أوج الكمال والفضل فأثبتت بكفاءتها العلمية وتخصصها في مختلف الفروع من العلم والأدب أنها لا تقل صلاحية وتلقيا وتألقا في المجال العلمي من أحد، اذا ما أحسنت استخدام موهبتها الفطرية وقدراتها الكامنة فيها، وكدت وجدت في سبيل العلم” الذي يتطلب التعب والسهر فمن ظن أن العلم يحصل بلا تعب فقد ظن المستحيل.
فيجب الاعتناء بتعليم المرأة الى جانب تعليم الرجل سواء بسواء….. فما تكبت الأمة في أخلاقها وتقاليدها إلا بسبب جهل المرأة وتحللها وفسادها، فقديما قالوا: “المرأة التي تهز المهد بيمينها تهز العالم بشمالها ” وحضن الأم المدرسة الأولى للطفل، فإذا اعتني ببناء هذه المدرسة بناء يتفق ودورها المرتقب منها، أحسنت المدرسة: الأم تخريج الأولاد تربويا وتعليميا وفق قيم الإسلام.
المرأة في مجال الكفاح
إن تاريخ بنت الإسلام في مجال الكفاح والنضال والذود عن حمى الأمة لهو أيضا تاريخ رائع مشرف حافل بالبطولات والأمجاد، فقد أثبتت المرأة المسلمة، رغم تركيبها الجسمي الخاص ورقتها الخلقية ونعومتها، شجاعتها واقدامها وحنينها الى الشهادة والحصول على أجر الغزو والرباط في سبيل الله فما ضنت قط ببذل ما تقدر عليه من ألوان التضحية والفداء والانفاق في سبيل الله والتحريض على لقاء العدو وإعلاء راية الحق خفاقة عالية على ظهر الأرض كلها ولقد حفظت لنا ذاكرة التاريخ بهذا الصدد -قصصا وأحداثا تحير العقول وتذهل الألباب.
فمن قرأ كتب السيرة عرف أن المرأة شاركت فعلاً في معركة الجهاد فقاتلت وجاهدت مع الرسول صلى الله عليه وسلم في العديد من الغزوات وأدت للمجاهدين أحسن الخدمات فقد ذكرت الكتب مثلاً أن أم أيمن كانت يوم أحد تسقي الجيش ولما ضعف بعض المقاتلين عن مواجهة العدو جعلت تحثو في وجهه التراب وتقول له: “هاك المغزل فاغزل به و هلم سيفك أعطني إياه لأقاتل به”، ونقرأ في كتب السيرة – كذلك عن أنس بن مالك أنه قال: رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم المستمرتان تنقلان القرب على ظهرهما ثم تفرغانها في أفواه الجرحى ثم ترجعان فتملاتها ثم تجيئان تفرغانها ونقرأ كذلك أن أم عطية غزت مع الرسول صلى الله عليه وسلم سبع غزوات تحرس الخيام وتصنع الطعام وتداوي الجرحى وتقوم على المرضى وأن أم عمارة دافعت عن الرسول -صلى الله عليه وسلم – يوم أحد حتى قال فيها النبي : ما التفت يمينا ولا شمالا يوم أحد إلا رأيتها تقاتل دوني”.
شبهة وردها
نحن نعرف هذا ونقرأه في سيرة رسولنا المصطفى عليه الصلاة والسلام ولكن القوم اليوم يتخذون أمثال هذه الشواهد ذريعة لفتح الباب على مصراعيه فيغرون المرأة بأن تسابق الرجل وتنافسه في كل ميدان حتى ولو لم تدع ضرورة ماسة إلى ذلك مع أن هذه الشواهد قد كانت لها مسبباتها ومناسباتها وضروراتها، فقد كان الإسلام في أول أمره يجاهد جهادا عنيفا لتثبيت دعائمه بين الناس ونشر لوائه في الوجود وكانت كتيبة الإسلام تتعرض للأخطار المفاجئة والزحوف العامة وكانت الضرورة تدعو إلى أن تقوم النساء ببعض الواجبات التي لا تتنافى مع کرامتهن وأعراضهن المستورة وعفتهن المصونة، وكان المسلمون لا يفكرون في الاستعانة بالنساء في الحروب يوم يرون من الرجال كثرة تغنيهم عن الاستنجاد بالمستضعفات من النساء ولذلك روي أن أم سليم كأنت هي وزوجها أبو طلحة في غزوة حنين، وهي حازمة وسطها ببرد لها، وفي حزامها خنجر وكانت حاملا بابنها عبدالله فقال لها زوجها: إن هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ قالت: إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به فقال أبو طلحة للرسول: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم ؟ فأعادت عليه القول، فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحك ويقول لها : “قد كفى الله يا أم سليم” وفي هذه العبارة المحمدية البليغة فصل الخطاب فمن الواجب ألا يفكر في الاستعانة بالنساء في مثل هذه الشؤون العامة إلا يوم يعجز الرجال، أو يتعرضون لزحف عام أو خطر شامل (6).
كنا نتحدث عن مشاركة المرأة المسلمة في الحرب والغزوات مشاركة متعددة الصور والمواقف فمنها تشجيعها لرجال المعركة على الخوض في المعركة ومواجهة العدو مواجهة الأبطال الشجعان من ذلك ما روت الكتب من كلام الخنساء مع أبنائها ليلة معركة القادسية” الشهيرة، فقد أذكت حميتهم وأشعلت جذوة إيمانهم قائلة: “يا بني إنكم أسلمتم طائعين وهاجرتم مختارين فاعلموا أن الدار الآخرة خير من الدار الفانية اصبروا وصابروا، ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون إنكم لبنوا رجل واحد كما أنكم بنو امرأة واحدة ما خانت أباكم ولا فضحت خالكم ولا هجنت حسبكم ولا غيرت نسبكم وقد تعلمون ما أعد الله من الثواب الجزيل في حرب الكافرين فإذا أصبحتم غداً إن شاء الله سالمين فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين وبالله على أعدائه مستنصرين وإذا رأيتم الحرب قد شمرت عن ساقها واضطرمت اللظى على سياقها وجللت نارا على أوراقها فتيمموا وطيسها وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها تظفروا بالغنم والكرامة في دار الخلد والمقامة.”
فخرج أبناؤها الأربعة قابلين لنصيحتها لأمرها فتقدموا واحداً بعد واحد ينشدون أراجيز يذكرون فيها وصية أمهم العجوز وقاتلوا بشجاعة وأبلوا بلاء حسنا حتى استشهدوا عن آخرهم فلما بلغها الخبر قالت: الحمد الله الذي شرفني بقتلهم وأرجو من ربي أن يجمعني بهم في مستقر رحمته.
سبحان الله أي امرأة هذه؟ ما أعظم حكمتها وما أجزل عبارتها وما أصدق لهجتها أي صبر هذا وأي رضا بقضاء الله هذا وأي إيمان هذا أم تدفع بفلذات كبدها الأربع إلى ساحة القتال غير هيابة ولا وجلة وتشجعهم على الاستشهاد في سبيل الله وحين يأتيها خبر استشهادهم، تحمد الله على ذلك؟
إنه الإسلام الحق الذي أضاء قلبها بنور اليقين فأصبحت -رضي الله- عنها نبراسا للسالكين فعلى مثل هذا يأسف الدهر، وعلى منهجها يحمد السير، وماتت الخنساء خطيبة النساء يُضرب بها المثل في الصبر والثبات. (7)
وعن أمثال أبناء الخنساء الأبطال المغاوير قالت امرأة مسلمة حينما رأت أبناءها الماجدين متماثلين لا تستطيع تفضيل واحد منهم على أخيه، قالت وهي مغمورة بنشوة الفخر والاعجاب: “هم كالحلقة المفرغة لا يدري أين طرفاها”.
ومما يشبه قصة الخنساء قصة امرأة أجابت ولدها حينما قال لها وهو خارج إلى المعركة إن سيفي قصير يا أماه فأجابت: تستطيع أن تجعله طويلا بخطوات إقدامك يا بني.
وكذلك نقرأ في كتب التاريخ أن إحدى أخواتنا السابقات قصت شعرها وجعلته ضفيرة وقدمتها لتكون لجاما لأحد الخيول المجاهدة في سبيل الله
هذه نماذج وصور من المرأة المسلمة في مجال الكفاح والجهاد، تكفي شهادة بما كانت عليه بنت الإسلام من حرص على المشاركة العملية في ميدان النضال وعدم التردد والتراجع ساعة الاقدام وحين الهول!
المرأة وتقوى الله
كما ألمحنا في بداية المقال الى ان المرأة المسلمة تستطيع أن تصل الى أعلى درجة وأسمى منزلة في كل مجال من المجالات التي يجول فيها الرجل ويصول وقد ذكرنا نماذج من تبريز المرأة في مجالات العلم والمعرفة ومجال الذود عن حياض الأمة.
والآن تريد أن نعرض نماذج من المرأة المنقبة الراعية حرمات الله الوقافة عند حدود الله، ولا شك أن تقوى المرأة وورعها يؤثر في أولادها فالمرأة الصالحة تنجب ذرية صالحة ثم تربيها تربية طاهرة فينشأ الأولاد بطبيعة الحال نشأة صالحة ويتربون على صفات الفضيلة والطهر والصلاح.
والقصة التالية تدل دلالة واضحة على أن تقوى المرأة الصالحة التي تخاف الله تؤدي إلى إنجاب ولد صالح يكون بركة لأمته ولمجتمعه بل للبلاد كلها والقصة مشهورة يعرفها كل من له أدنى إلمام بتاريخ خلفاء المسلمين، وهي أن عمر بن الخطاب مر ذات ليلة ببيت فسمع بداخله امرأة تأمر بنتها بأن تخلط اللبن بالماء ليزيد فأخبرتها بنتها بأن أمير المؤمنين أمر مناديه فنهى عن ذلك فقالت لها أمها: قومي اخلطي اللبن بالماء فإنك في مكان لا يراك فيه عمر ولا منادي عمر. فأجابتها الفتاة لا والله يا أماه.. ما كنت لأطيعه في الملأ وأعصيه في الخلاء إن كان عمر لا يرى، قرب عمر يرى وأعجب عمر بصلاح الفتاة فزوجها ابنه عاصما فولدت له بنتا صارت أماً للخليفة الراشد والامام الزاهد والحاكم العادل عمر بن عبد العزيز الذي نفع الله به كثيرا البلاد والعباد فأغناهم بفضل سلوكه المسلك العادل حتى لم يبق من يقبل الصدقة وكان ذلك بركة تقوى المرأة وصلاحها.
كما ذكرت كتب السلف أن نساء الإسلام المتقيات الزاهدات الحريصات على الحلال كن يقلن لأزواجهن عند الصباح: يا رجالنا إننا نستطيع أن نصبر على الجوع والعطش ولكننا لا تستطيع أن نصبر على النار وغضب الجبار فإياكم والكسب الحرام.
هذه التقوى وهذه الخشية من الله وهذا الكسب الحلال.. هذا هو الذي أنجب تلك الأعداد الهائلة من فطاحل العلماء والفقهاء والمحدثين وغيرهم من العباقرة الذين خدموا هذا الدين وعلومه خدمة سوف تشرف الأمة كلها إلى قيام الساعة فلما قلت العناية بالتقوى وندرت الخشبة من الله ندر تخرج النوابغ من حملة العلم ودعاة الهدى، فالعلاقة بين التقوى وبين البركة والتقدم في العلم والتوفيق للخير علاقة متينة فلا فائدة للعلم بدون الورع والتقوى ولا تقوى حقيقية بدون العلم الصحيح.
فهل من سبيل لكي تعود المرأة فينا إلى صراط ربها العلي الكبير لكي ترجع إلى المكانة التي فازت بها أختها في الماضي في شتى مجالات الفخار والعز والإبداع؟!
الهوامش
(1) صور من سير الصحابيات لعبد الحميد بن عبد الرحمان الحسيباني.
(2) منهج التربية النبوية للطفل، محمد نور عبد الحفيظ سويد.
(3) بتصرف من نساء من حضارتنا الجزء الأول، عبد الله سالم.
(4) الموسوعة الشرباصية.
(5) بتصرف من أضواء على مكانة اللغة العربية وأبرز خصائصها، عبد الجواد محمد طبق مجلة “المنهل” السعودية ص / 133 العدد / 498 صفر 1413هـ.
(6) مستفاد بتعديل من الموسوعة الشرباصية
(7) جريدة “الندوة المكية 5 / جمادى الأولى 1420هـ العدد 1240


