اندفع الملايين حول العالم نحو شراء الذهب، ليتفوق على كل منافسيه، بمن فيهم الدولار والعملات الرقمية والأسهم والسندات وأذون الخزانة. في حين تريّث آخرون في الشراء إلى حين حدوث حركة تصحيح للأسعار تتيح لهم شراء المعدن النفيس بمستوى معقول وأسعار غير مبالغٍ بها من وجهة نظرهم.
وفقد فريقٌ ثالث الأملَ في حيازة الذهب، بعد أن شهدت الأسعار قفزات غير مسبوقة، وحطّم المعدن الأصفر مستوى أربعة آلاف دولار للأوقية (الأونصة) اليوم الأربعاء، ليسجّل أعلى مستوى على الإطلاق، مدفوعًا بسباق كبار المستثمرين والمضاربين نحو الملاذات الآمنة، في ظل الضبابية الشديدة حول العالم، وحالة عدم اليقين في دولٍ غربية كبرى، منها الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، وتصاعد المخاطر الاقتصادية والجيوسياسية، وتوقّعات بإقدام مجلس الاحتياطي الفيدرالي على إجراء مزيدٍ من التخفيضات في أسعار الفائدة.
أما الفريق الأول، فلا يختلف الاندفاع نحو الشراء من بلدٍ إلى آخر، فهذا الاندفاع قاده أفراد من الهند وإيران وباكستان ودول جنوب شرق آسيا، وتكرّر في منطقة الخليج ومصر ودول المغرب العربي وليبيا واليمن وسورية والعراق والأردن وغيرها من دول المنطقة، كما امتدّ إلى العديد من دول العالم، خاصةً بين تلك الشعوب التي تجد صعوبة في حيازة النقد الأجنبي وعلى رأسه الدولار، كما تخشى الاستثمار في الأدوات الخطرة، وعلى رأسها العملات الرقمية والأسهم.
هذا الفريق زاد حماسه الشديد للشراء بعد أن أثبتت رهاناته أنه كان على صواب حينما راهن مبكرًا على الاستثمار في الذهب باعتباره مخزنًا للقيمة، وأحد أبرز أدوات الاستثمار أمانًا في زمن المخاطر الجيوسياسية، أو حتى راهن متأخرًا ومنذ بداية العام الجاري، حينما أربك دونالد ترامب المشهد الاقتصادي العالمي والأميركي معًا، ودفع الدول والبنوك المركزية الكبرى نحو حيازة المزيد من أطنان الذهب، ومعها اندفع الأفراد نحو توجيه المدخرات إلى المعدن الأصفر، ومن هنا حدثت مضاربات عنيفة في الأسواق ساعدت على حدوث قفزات سعرية وحالة تسخين غير مسبوقة للأسعار.
هذا الرهان دعمته أيضًا توقّعات بنوك استثمارٍ دولية كبرى بحدوث مزيدٍ من الزيادات السعرية للذهب، وأحدث تلك التوقّعات ما صدر منتصف هذا الأسبوع عن بنك “جولدمان ساكس” الاستثماري الأميركي، الذي رفع توقّعاته لأسعار الذهب للعام المقبل، مستندًا إلى تدفقات قوية من صناديق المؤشرات المتداولة والمشتريات المحتملة من البنوك المركزية. وتوقّع البنك وصول سعر المعدن النفيس إلى 4900 دولار للأوقية في ديسمبر 2026، بدلًا من تقديره السابق البالغ 4300 دولار.
أما الفريق الثاني، الذي فضّل التأني في شراء الذهب انتظارًا لحدوث حركة تصحيحٍ عنيفة قد تقود الأسعار إلى الأسفل، فقد طال انتظاره بعد أن حقّق الذهب مكاسب متتالية على مدى ثمانية أسابيع متواصلة. كما ارتفعت الأسعار بأكثر من 50% هذا العام، متجهة نحو أكبر مكاسب سنوية منذ عام 1979، بدعمٍ من خفض أسعار الفائدة وشراء البنوك المركزية.
هناك فريق ثالث يُطلق عليه أفراد “القطيع”، وهؤلاء يظهرون فقط في أوقات قفزات الأسعار، لا أوقات تراجعها، سواء في البورصات وأسواق المال أو المعادن والسلع. ومن ثمّ، فهم حطب نيران المضاربات الحالية، وأكثر المتضررين من القفزات السعرية الأخيرة لأسعار الذهب. هؤلاء يشترون الذهب وقت قفزات الأسعار، وليس وقت تراجعها، ويخسرون أموالهم عندما يبيع قنّاصو الصفقات وكبار المستثمرين ما لديهم من معدنٍ نفيسٍ لحصد الأرباح، على أن يقوم هؤلاء المضاربون بالشراء في وقتٍ لاحق عقب اندفاع أفراد “القطيع” نحو البيع تحت تأثيرات الذعر من تكبّد مزيدٍ من الخسائر والعوامل النفسية.


