لم تعد تونس بالنسبة لآلاف المهاجرين القادمين من دول أفريقيا جنوب الصحراء محطة عبور نحو أوروبا كما كانت خلال السنوات الماضية، بل تحولت في كثير من الحالات إلى نقطة نهاية لرحلة شاقة دفعت أعداداً متزايدة منهم إلى اتخاذ قرار العودة إلى أوطانهم عبر برامج “العودة الطوعية” التي تنظمها السلطات التونسية بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة.
وخلال الأشهر الأخيرة تسارعت وتيرة رحلات العودة بشكل غير مسبوق، في ظل تشديد الإجراءات الأمنية على السواحل التونسية، وتفكيك مخيمات المهاجرين المنتشرة في مناطق عدة، إلى جانب تراجع فرص الوصول إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، ما دفع آلاف المهاجرين إلى إعادة النظر في مشروع الهجرة بأكمله.
أرقام قياسية للعودة الطوعية
تشير أحدث البيانات الصادرة عن المنظمة الدولية للهجرة إلى أن عام 2025 شهد عودة 8853 مهاجراً من تونس إلى بلدانهم الأصلية عبر برنامج العودة الطوعية وإعادة الإدماج، بزيادة بلغت نحو 28% مقارنة بعام 2024. كما دعمت المنظمة عودة أكثر من 5336 مهاجراً خلال الأشهر السبعة الأولى فقط من عام 2025، وهو ما يعكس تسارعاً ملحوظاً في وتيرة العودة.
وفي عام 2026 استمرت الوتيرة المرتفعة، إذ تجاوز عدد المستفيدين من برامج العودة الطوعية منذ بداية العام ألفي مهاجر خلال الأشهر الأولى، بينما أعلنت السلطات التونسية أن نحو خمسة آلاف مهاجر عادوا إلى بلدانهم خلال عام واحد عبر الرحلات المنظمة بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة.
وتكشف الأرقام التراكمية أن أكثر من 22 ألف مهاجر غير نظامي غادروا تونس طوعياً منذ عام 2022، وهو رقم يعكس تحولاً كبيراً في خريطة الهجرة داخل منطقة وسط البحر المتوسط.
من دولة عبور إلى منطقة احتجاز مفتوحة
خلال العقد الماضي كانت تونس إحدى أهم نقاط الانطلاق نحو السواحل الإيطالية، خصوصاً من مناطق صفاقس والعامرية وجبنيانة. لكن التطورات الأخيرة غيرت المعادلة بشكل جذري.
فقد عززت السلطات التونسية الرقابة البحرية والأمنية بشكل واسع، كما حصلت على دعم أوروبي كبير في إطار جهود الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية نحو القارة الأوروبية. وأسهمت هذه السياسات في تقليص فرص العبور البحري، بينما وجد عشرات الآلاف من المهاجرين أنفسهم عالقين داخل الأراضي التونسية دون قدرة على مواصلة الرحلة أو العودة إلى بلدانهم من دون مساعدة دولية.
وتشير تقديرات حكومية تونسية إلى أن نحو 20 ألف مهاجر كانوا يقيمون داخل مخيمات عشوائية في مناطق قريبة من الساحل خلال عام 2025، قبل أن تبدأ السلطات عمليات تفكيك واسعة لهذه التجمعات.
لماذا يختار المهاجرون العودة؟
لا يرتبط قرار العودة بسبب واحد فقط، بل بمجموعة من العوامل المتشابكة.
أول هذه العوامل يتمثل في تضاؤل فرص الوصول إلى أوروبا. فبعد تشديد الرقابة البحرية وتراجع عمليات التهريب، أصبح عبور المتوسط أكثر صعوبة وخطورة من أي وقت مضى. كما أن كثيراً من المهاجرين استنزفوا مدخراتهم بالكامل خلال رحلاتهم الطويلة عبر الصحراء الكبرى.
العامل الثاني يتعلق بالأوضاع المعيشية داخل تونس. فالمهاجرون الذين كانوا يأملون في إيجاد فرص عمل مؤقتة وجدوا أنفسهم في ظروف إنسانية صعبة داخل المخيمات العشوائية، مع محدودية فرص العمل والسكن والرعاية الصحية.
أما العامل الثالث فهو تصاعد التوترات الاجتماعية والسياسية المرتبطة بملف الهجرة، خاصة منذ عام 2023، وهو ما أدى إلى زيادة الشعور بعدم الاستقرار لدى أعداد كبيرة من المهاجرين.
أوروبا والرهان على سياسة “العودة”
يرى مراقبون أن الزيادة الكبيرة في أعداد العائدين لا يمكن فصلها عن الاستراتيجية الأوروبية الجديدة في إدارة ملف الهجرة.
فبدلاً من التركيز فقط على منع القوارب من الوصول إلى السواحل الأوروبية، اتجه الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة إلى تمويل برامج العودة الطوعية وإعادة الإدماج في بلدان المنشأ، بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة.
وتشير تقارير دولية إلى أن أكثر من 100 ألف مهاجر من أفريقيا جنوب الصحراء عادوا من دول شمال أفريقيا والنيجر بين عامي 2022 و2025 عبر برامج ممولة أوروبياً.
ويعتبر مؤيدو هذه السياسة أنها توفر بديلاً أكثر إنسانية للهجرة غير النظامية، بينما يرى منتقدون أنها تحولت في بعض الحالات إلى وسيلة غير مباشرة للحد من تدفقات المهاجرين دون معالجة الأسباب الحقيقية التي تدفعهم إلى المغادرة أساساً.
هل تنجح برامج إعادة الإدماج؟
رغم الأرقام الكبيرة للعودة الطوعية، يظل السؤال الأهم: ماذا يحدث بعد العودة؟
تؤكد المنظمة الدولية للهجرة أنها تقدم برامج لإعادة الإدماج تشمل التدريب المهني والدعم الاقتصادي والمساعدات الاجتماعية للمهاجرين العائدين. كما أعلنت المنظمة أنها ساعدت أكثر من 81 ألف شخص حول العالم على العودة الطوعية خلال عام 2025.
لكن تقارير إعلامية ودولية أشارت إلى أن بعض العائدين يشتكون من بطء إجراءات إعادة الإدماج أو محدودية المساعدات المتاحة مقارنة بحجم التحديات الاقتصادية التي تواجههم في بلدانهم الأصلية، الأمر الذي قد يدفع بعضهم إلى التفكير في تكرار محاولة الهجرة مستقبلاً.
مستقبل الهجرة في تونس
تشير المؤشرات الحالية إلى أن وتيرة العودة الطوعية ستواصل الارتفاع خلال عام 2026، خاصة مع استمرار الرحلات الجوية المنظمة بشكل شبه يومي، وتواصل التعاون بين تونس والمنظمة الدولية للهجرة.
غير أن خبراء الهجرة يؤكدون أن معالجة الظاهرة لن تتحقق عبر سياسات الردع والعودة فقط، بل تتطلب أيضاً تحسين الأوضاع الاقتصادية والتنموية في دول المصدر الأفريقية، حيث تدفع البطالة والفقر والنزاعات آلاف الشباب سنوياً إلى خوض واحدة من أخطر رحلات الهجرة في العالم.
وبينما تواصل تونس جهودها للحد من الهجرة غير النظامية، تبدو البلاد اليوم أمام واقع جديد: آلاف المهاجرين الذين وصلوا إليها وهم يحلمون بأوروبا، باتوا يصطفون في المطارات للعودة إلى بلدانهم، في مشهد يعكس تحولاً عميقاً في مسارات الهجرة الأفريقية عبر المتوسط خلال السنوات الأخيرة.







