مع خريف التشرينين، تتجه الأنظار إلى محطتين انتخابيتين تفصل بينهما مسافة تقارب عشرة آلاف كيلومتر، على نتائجهما يُبنى الكثير. وبينما تتساقط بطاقات الاقتراع، يبرز سؤال يتجاوز نتائج الانتخابات إلى إمكانية سقوط أوراق أزمات أثقلت كاهل الجيوسياسة العالمية، سيما في ظل تقدم مصالح القوى الكبرى على التزاماتها السابقة، تمهيدًا لنظام دولي يُعاد ترميمه أو صياغة بعض توازناته.
عليه يصعب التعامل مع الأزمات في أوروبا الشرقية وبحر الصين الجنوبي والشرق الأوسط باعتبارها مسارات منفصلة. فالتطورات المتزامنة تطرح وجود بيئة مترابطة، تتقاطع فيها حسابات الولايات المتحدة وروسيا والصين، وتُدار فيها المصالح بالمواجهة حينًا وبالتفاوض حينًا آخر.
مما تقدم تبدو الأزمات الثلاث مطروحة على طاولة استراتيجية واحدة، لا بالضرورة نتيجة اتفاق مسبق على مقايضة شاملة، بل بفعل تداخل المصالح واستنزاف الموارد، وما يفرضه ذلك من إعادة ترتيب للأولويات وحدود الالتزامات.
في الخاصرة الروسية، يتراجع الزخم الأميركي والغربي الداعم لكييف، بالتوازي مع ضغوط متزايدة لإنهاء الحرب والبحث عن تسوية. وفي الحسابات الأميركية، بات استمرار النزاع يستنزف الموارد السياسية والعسكرية، دون عائد متناسب الكلفة، فضلًا عن مساهمته في تعزيز التقارب الروسي الصيني.
من هنا، لا يبدو التراجع الأميركي مجرد تنازل مجاني، بل مدخلًا لتفاهمات تتجاوز الساحة الأوكرانية. فروسيا تسعى إلى تثبيت مكاسبها الميدانية وتخفيف العقوبات، فيما تبحث واشنطن عن مخرج من حرب الاستنزاف الأوروبية، وعن مساحة أوسع لإدارة تنافسها الدولي.
ما يعني أن ثمن التسوية في اقله إعادة ضبط مواقف موسكو في ملفات عدة؛ غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة أن شراكتها الاستراتيجية مع أطراف أخرى باتت بنيوية، وليست تكتيكًا عابرًا يمكن مقايضته بسهولة.
في الخاصرة الصينية، تتوالى مؤشرات التفاوض على إدارة التنافس بين واشنطن وبكين، في ظل استمرار الخلافات حول تايوان والتكنولوجيا والتجارة والأمن البحري. ويثير تعثر بعض صفقات التسليح الأميركية لتايوان تساؤلات عن موقع هذا الملف في الحسابات الثنائية، دون أن يعني ذلك أن بكين حصلت على ضمانات مطلقة بشأن الجزيرة أو أن واشنطن تخلت عن التزاماتها تجاهها.
في الشرق الأوسط، تبدو ظروف أي مقايضة محتملة بالغة التعقيد، إذ ان إيران رغم الضربات الموجعة التي تلقتها والحصار الخانق المتعدد المستويات المفروض عليها، لا تزال قطبًا محوريًا في شبكة تحالفات عابرة للقارات سيما مع موسكو وبكين، بما يتجاوز حدود التنسيق التكتيكي إلى تقاطع استراتيجي يصب في خانة تقويض الهيمنة الأحادية.
من هنا تبرز فرضية “المقايضة الكبرى”: هل تسعى واشنطن لإنهاء استنزافها الأوروبي والآسيوي مقابل مساومات مع روسيا والصين للحد من الدعم الموجه لطهران؟ دون إغفال ان شراكتهما مع الأخيرة ليست مجرد ورقة تفاوض، بل ركيزة أساسية في صراع النفوذ العالمي. وفوق كل ذلك، اثبتت التجربة أن الفاعلين الإقليميين يمتلكون “قدرة عالية على التعطيل” وهامش مناورة ذاتي يجعل إخضاعهم لأي مقايضة فوق-رأسية أمراً دونه خرط القتاد.
يكشف الربط بين هذه المسارات عن ديناميكية دولية قوامها إدارة المخاطر وتبادل التنازلات الممكنة، من دون أن تفضي بالضرورة إلى اتفاق ثلاثي شامل، بل سلسلة تفاهمات تتقاطع فيها المصالح وتصطدم بالثوابت.
وعليه، تكتسب المفاوضات واللقاءات المرتقبة أهمية تتجاوز جدول أعمالها المباشر، لكن الاختبار الحقيقي يبقى في إدراك أن التسويات التي تقتصر على تجميد الصراعات لا تعالج جذورها.
والأهم من ذلك، أن تحولات النظام الدولي تؤكد أن الرهان على تسويات الكبار وحدها خيار محفوف بالمخاطر؛ فالأطراف الإقليمية التي تفتقر إلى “القرار الذاتي” والقدرة على حماية مصالحها ستجد نفسها حتمًا عرضة لأن تُرسم خرائط النفوذ الجديدة على حسابها.
بين احتمال المقايضة الكبرى وصخب الصراعات المفتوحة، ستبقى القدرة على قراءة التحولات واستباقها عاملًا حاسمًا. أما الخشية المنطقية، فهي ألا يأتي الربيع بعد خريف الأزمات، بل يطلّ شتاء قارس لا يفلت من برودته سوى من يمتلكون دفء القرار الذاتي وقوة الاستقرار والاستعداد الحقيقي لصياغة أدوارهم بأنفسهم، قبل أن يُعاد رسم المشهد فوق أسمائهم.


