يواصل قطاع الثروة الحيوانية في موريتانيا تعزيز مكانته باعتباره أحد أهم أعمدة الاقتصاد الوطني، مع تسريع الحكومة خلال عام 2026 تنفيذ حزمة من البرامج الهادفة إلى تحديث الإنتاج الحيواني، وتحسين جودة السلالات، وتطوير الخدمات البيطرية، وإنشاء بنية تحتية حديثة للتسويق والتصنيع، في إطار استراتيجية تستهدف زيادة القيمة المضافة للقطاع وتعزيز حضوره في الأسواق الإقليمية والدولية.
ويُعد النشاط الرعوي من أبرز الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية في موريتانيا، حيث يعتمد عليه ملايين السكان بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سواء من خلال تربية الإبل والأبقار والأغنام والماعز، أو عبر تجارة الماشية والصناعات المرتبطة بها. كما يمثل القطاع مصدرًا رئيسيًا للدخل في المناطق الريفية، ويسهم في دعم الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، خاصة في ظل التحديات المناخية التي تواجه منطقة الساحل.
وفي هذا السياق، تواصل وزارة التنمية الحيوانية تنفيذ برامج موسعة لتحديث القطاع، تشمل توسيع حملات التحصين البيطري للحد من الأمراض الوبائية، وإنشاء مراكز صحية بيطرية جديدة، وتطوير الأسواق والمسالخ الحديثة، إلى جانب تشجيع الاستثمار في الصناعات التحويلية الخاصة باللحوم والألبان والجلود. وتهدف هذه الخطوات إلى تقليل الفاقد، وتحسين جودة المنتجات، ورفع قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية.
وتشير تقديرات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) إلى أن موريتانيا تمتلك واحدة من أكبر الثروات الحيوانية في منطقة الساحل، غير أن مساهمة القطاع في الصناعات الغذائية والصادرات ما تزال أقل من إمكاناته الفعلية، نتيجة محدودية التصنيع، وضعف البنية اللوجستية، وارتفاع تكاليف النقل، إلى جانب التأثيرات المتزايدة للتغيرات المناخية على المراعي والموارد المائية.
ويرى خبراء الاقتصاد أن التحول من تصدير الحيوانات الحية إلى تصدير منتجات مصنعة ذات قيمة مضافة يمثل أحد أهم المسارات لتعظيم العوائد الاقتصادية. ويؤكد الاقتصادي الموريتاني محمد الأمين ولد الحافظ أن الاستثمار في الصناعات الغذائية المرتبطة باللحوم ومنتجات الألبان والجلود من شأنه زيادة الإيرادات، وخلق فرص عمل جديدة، وتعزيز مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي.
ويتفق مع هذا الطرح الباحث البريطاني إيان سكوونز، المتخصص في اقتصاديات الرعي والتنمية الريفية، الذي يرى أن المجتمعات الرعوية في إفريقيا تمتلك خبرة كبيرة في إدارة البيئات الجافة والتكيف مع الظروف المناخية الصعبة، إلا أن تحقيق الاستفادة الاقتصادية القصوى يتطلب تحسين الخدمات البيطرية، وتطوير إدارة الموارد الطبيعية، وتعزيز الربط بين المنتجين والأسواق المحلية والإقليمية والدولية.
وتاريخيًا، شكّل الرعي أحد أهم مكونات الهوية الاقتصادية والاجتماعية في موريتانيا، وأسهم في بناء شبكات التجارة التقليدية التي ربطت البلاد بالمغرب ودول غرب إفريقيا عبر القوافل التجارية، حيث كانت الماشية ومنتجاتها من أبرز السلع المتداولة. واليوم، تسعى الدولة إلى تحويل هذا الإرث التاريخي إلى قاعدة إنتاج حديثة تعتمد على التصنيع والتصدير بدلًا من الاقتصار على بيع المواشي الحية.
ورغم الفرص الكبيرة، لا يزال القطاع يواجه تحديات متعددة، أبرزها تراجع المراعي في بعض المناطق نتيجة الجفاف، وتأثيرات التغير المناخي، والحاجة إلى تطوير شبكات المياه، وتحسين السلالات المحلية، وتوسيع خدمات الإرشاد البيطري والزراعي، فضلًا عن تحديث سلاسل النقل والتبريد لضمان وصول المنتجات إلى الأسواق بجودة تنافسية.
كما يفتح التوسع في تطبيق اتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية آفاقًا جديدة أمام الصادرات الموريتانية، إذ يتوقع خبراء التجارة أن تستفيد البلاد من اتساع السوق الإفريقية إذا نجحت في استيفاء الاشتراطات الصحية والفنية المطلوبة، وهو ما قد يعزز صادرات اللحوم ومنتجات الألبان والجلود، ويزيد من تنافسية المنتج الموريتاني.
وتدعم مؤسسات دولية، من بينها البنك الإفريقي للتنمية، برامج تستهدف تحسين الإنتاج الحيواني وتطوير البنية التحتية الريفية، بما يسهم في تعزيز الأمن الغذائي، ورفع كفاءة سلاسل القيمة، وتحسين مستويات الدخل في المجتمعات الريفية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يتوقع مراقبون أن يشهد قطاع الثروة الحيوانية في موريتانيا نموًا متواصلًا خلال السنوات المقبلة، إذا استمرت الاستثمارات الحكومية والخاصة في مجالات التصنيع والبنية التحتية والخدمات البيطرية، بما يسرّع تحول القطاع من نشاط تقليدي يعتمد على تصدير المواد الخام إلى صناعة غذائية متكاملة، قادرة على تعزيز النمو الاقتصادي، وزيادة الصادرات، وترسيخ مكانة موريتانيا كمركز رئيسي للإنتاج الحيواني في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.


