تتسارع وثيرة المواجهة الجيواقتصادية بين واشنطن وبكين على خلفية التصعيد الأمريكي ضد إيران، لتكشف عن عمق المعادلة المعقدة التي تحكم النظام المالي والتجاري العالمي في الوقت الراهن.
وفي قراءة تحليلية مستفيضة للمشهد الدولي، سلطت صحيفة “فاينانشال تايمز” عبر مقال الكاتبة جيليان تيت الضوء على الأزمة المزدوجة التي تواجه الإدارة الأمريكية؛ حيث تقف واشنطن أمام معضلة فرض عقوبات ثانوية شاملة قد تؤدي لصدام مباشر مع البنوك الصينية العملاقة، أو التراجع بما يمس بمصداقية سياساتها الردعية.
ويتقاطع هذا التحليل مع ما تداوله تقارير وكالات عالمية مثل “رويترز” و”بلومبرغ”، التي أكدت أن الهيمنة الأمريكية على نظام التمويل بالدولار تصطدم بنفوذ بكين المطلق على سلاسل التوريد الحيوية والمعادن النادرة.
مأزق العقوبات الثانوية
تعيد الإجراءات التي أعلنها وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت فرض “أكبر حرب مالية” عبر عقوبات ثانوية تستهدف قطاعات التكنولوجيا والطيران والشحن والأصول الرقمية المتعاملة مع طهران.
غير أن هذه القرارات تضع الإدارة الأمريكية أمام المأزق التاريخي ذاته الذي حذر منه الرئيس السابق باراك أوباما عام 2015، والمتمثل في أن عزل الشركاء التجاريين لإيران، وعلى رأسهم الصين، قد يرتد بشراسه على استقرار الاقتصاد الأمريكي نفسه وأسواق السندات الفيدرالية.
معادلة النفوذ المزدوج
يؤكد خبراء الاقتصاد السياسي في جامعات “ستانفورد” و”ييل” و”كولومبيا” أن الصراع الراهن يستند إلى سلاحين متوازيين؛ إذ تستغل واشنطن هيمنتها التشغيلية على المقاصة الدولية بالدولار لتقييد الخصوم، بينما تمتلك الصين ورقة ضغط حاسمة تتمثل في احتكار سلاسل إمداد المعادن النادرة والمدخلات الدوائية.
ويشير تحليل “فاينانشال تايمز” إلى أن التهديد الصيني باتخاذ “كافة التدابير اللازمة” يمنع الخزانة الأمريكية من الذهاب بعيداً في معاقبة الكيانات المصرفية الصينية الكبرى، خوفاً من قطع إمدادات السلع الاستراتيجية قبل القمة المرتقبة بين الرئيسين دونالد ترمب وشي جين بينغ.
الشراكة الصينية الإيرانية
تظهر بيانات التقارير الصادرة عن الكونغرس الأمريكي أن بكين تظل الشريك التجاري الأكبر لطهران، باستثمارات متوقعة تصل إلى 400 مليار دولار واستحواذها على نحو 90% من الصادرات النفطية الإيرانية.
وتوضح التحليلات أن استهداف الشركات الصينية الصغيرة في هونغ كونغ دون البنوك الرئيسية يعكس رغبة واشنطن في تجنب إشعال حرب تجارية شاملة، وهو ما يفسر عدم حسم المواجهة المباشرة واستمرار القوة المالية الأمريكية عند حدودها الحرجة.
وداعا للحسم الأحادى
وتثبت تطورات الصراع المالي حول الملف الإيراني أن أدوات الضغط التقليدية لم تعد قادرة على تحقيق حسم أحادي في عالم متعدد القواعد؛ إذ يقف الاقتصاد العالمي أمام توازن قلق تشكله قوة التمويل الأمريكية من جهة، ونفوذ الإنتاج الصيني من جهة أخرى.
ومع استمرار بكين في امتصاص الضغوط وإدارة علاقاتها مع طهران بحذر استراتيجي، يتضح أن المأزق المالي الذي تواجهه واشنطن لا يكشف فقط حدود الردع العسكري، بل يعيد رسم ملامح الجغرافيا الاقتصادية، مؤكداً أن الاستقرار الفعلي لن يتحقق إلا بصياغة توافقات جديدة توازن بين القوة المالية وسلاسل الإمداد الحيوية.


