لم تعد قناة السويس مجرد ممر ملاحي يختصر المسافات بين الشرق والغرب، بل تحوّلت في السنوات الأخيرة إلى ساحة تقاطع معقّدة بين الجغرافيا السياسية، وسلاسل الإمداد العالمية، وحسابات شركات الشحن العملاقة.
وفي خضم التوترات التي يشهدها البحر الأحمر، أثار قرار الخط الملاحى العالمى العملاق CMA CGM الفرنسي، إعادة توجيه ثلاث خدمات رئيسية حول رأس الرجاء الصالح تساؤلات واسعة:
هل نحن أمام تراجع تدريجي عن السويس؟ أم أن ما يحدث لا يتجاوز كونه إدارة ذكية للتوقيت والسعة التشغيلية؟
ما الذي تغيّر في نظام CMA CGM؟
أعلنت شركة CMA CGM المالكة للخط الملاحى، إعادة توجيه ثلاث خدمات محددة هي: FAL1، FAL3، وMEX، ( وثائق تقدم للسلطات بالموانى عن حالة السفينة ووقت مغادرتها وحالة طاقمها ومؤنها والميانء التالى) بعيدًا عن البحر الأحمر وقناة السويس، في خطوة بدت مفاجئة للوهلة الأولى، خصوصًا أن الشركة كانت تُعدّ أكثر شركات الحاويات الكبرى ثباتًا في استخدام الممر، مقارنة بمنافسين مثل ميرسك وMSC.
لكن مراجعة تفاصيل القرار تكشف أن التحرك انتقائي ودقيق، إذ لم يشمل الشبكة الكاملة للشركة، ولم يصحبه أي إعلان عن تغيير استراتيجي طويل الأمد تجاه القناة.
ويقول خبير نقل بحري بجامعة كارديف البريطانية، إن “CMA CGM لم تُغلق باب السويس، بل أعادت ترتيب بعض المفاتيح داخل الشبكة بما يتناسب مع معطيات السوق الآنية”.
ما الذي لم يتغيّر؟ التزام استراتيجي بالممر الأقصر
رغم إعادة التوجيه الجزئي، تواصل CMA CGM تشغيل عدد كبير من خدماتها عبر قناة السويس، وهو ما تؤكده بيانات تتبع السفن وتقارير Alphaliner ( مركز تحليل فى النقل البحرى) وLloyd’s List ( مصدر خبرى يومى عن النقل).
فالشركة، على عكس منافسين آخرين، لم تُعلن أن السويس “غير قابلة للاستخدام”، ولم تُسحب سفنها بالكامل من البحر الأحمر.
وتشير وكالة رويترز في تقارير سابقة إلى أن CMA CGM كانت من أكثر الشركات مقاومة لفكرة التخلي الكامل عن القناة، نظرًا لاعتماد نموذجها التشغيلي على المرونة الشبكية بدل القرارات الصدامية.
ماذا تقول بيانات حركة المرور؟ الأرقام تُفكك الضجيج
تُظهر بيانات حركة المرور الملاحية أن عدد عبور سفن الحاويات التابعة لـCMA CGM عبر قناة السويس لم ينخفض بصورة حادة، بل شهد تذبذبًا مرتبطًا بدورات الطلب.
ووفقًا لتقارير المركز البحثى Clarksons Research، فإن الانخفاض المؤقت في بعض الخطوط يتزامن مع تراجع موسمي في أحجام الشحن، وفائض في السعة العالمية، وضغوط على أسعار الشحن الفوري، وهو ما يدعم فرضية أن القرار تشغيلي-اقتصادي أكثر منه أمني أو سياسي.

الأمن أم السعة؟
رغم أن التوترات الأمنية في البحر الأحمر حاضرة في الخلفية، فإن خبراء يتفقون على أنها ليست العامل الحاسم في قرار CMA CGM الأخير.
يقول محلل بحري في شركة Drewry، إن “الشركات لا تتخذ قرارات مكلفة مثل الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح بدافع الخوف وحده، بل حين تفرض السعة والأسعار ذلك”.
فالالتفاف حول إفريقيا يعني، زيادة زمن الرحلة من 10 إلى 14 يومًا، وارتفاع تكاليف الوقود، وضغط إضافي على الجداول،
ومع ذلك، يصبح هذا الخيار منطقيًا عندما تحتاج الشركة إلى امتصاص فائض السعة وإعادة ضبط التوازن بين العرض والطلب.
CMA CGM بين المرونة الفرنسية والبراغماتية العالمية
تاريخيًا، عُرفت CMA CGM بقدرتها على إدارة الأزمات بالتدرج، لا بالقفزات الحادة، ففي أزمة كورونا، وفي اختناقات الموانئ الأميركية، اعتمدت الشركة على إعادة توزيع السفن بدل إلغاء الخطوط.
قناة السويس.. ما بين الضغط الدولي وثبات الأهمية
بالنسبة لقناة السويس، لا يُعد قرار CMA CGM مؤشرًا على فقدان الجاذبية، بل جزءًا من موجة تكيف عالمية تمر بها صناعة الشحن.
فالتقارير الصادرة عن بلومبيرغ تؤكد أن القناة لا تزال الخيار الأسرع والأقل كلفة في الظروف الطبيعية، وأن أي بديل يظل مؤقتًا ومشروطًا.
إدارة توقيت لا إعلان قطيعة
في المحصلة، لا تبدو CMA CGM في طريقها للتراجع عن قناة السويس، بل في صدد إدارة دقيقة للتوقيت والسعة وسط سوق مضطربة.
قناة السويس في قلب التجارة العالمية، وCMA CGM تدرك ذلك جيدًا، أما ما نراه اليوم، فليس إلا فصلًا من فصول إعادة ضبط الإيقاع.. لا إعادة رسم الخريطة.


