تواصل الولايات المتحدة، منذ عقود، توظيف شعار “الحرب على المخدرات” كأداة سياسية لتبرير تدخلاتها العسكرية في أميركا اللاتينية، غير أنّ إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بلغت بهذا النهج مستوى غير مسبوق من التصعيد والتوظيف الجيوسياسي.
فبينما تروّج واشنطن لعملياتها في المنطقة بوصفها حربًا ضد عصابات التهريب والجريمة المنظمة، تتكشف ملامح مشروعٍ أوسع يهدف إلى إحكام السيطرة على الموارد الطبيعية والأسواق الاستراتيجية في القارة اللاتينية، تحت غطاء مكافحة المخدرات.
منذ وصوله إلى السلطة، اتخذ ترامب من ملف المخدرات مدخلًا لتوسيع النفوذ الأميركي، خصوصًا في البحر الكاريبي ودول أمريكا الجنوبية. فمع تصاعد العمليات العسكرية ضد ما تصفه واشنطن بـ”المنظمات النركو-إرهابية”، بدا واضحًا أنّ الإدارة تسعى لتكريس حضورٍ عسكري جديد في مناطق لطالما مثلت مسرحًا للتنافس الدولي، وبخاصة مع تمدد النفوذ الصيني في اقتصادات أمريكا اللاتينية.
الجذور الإمبريالية لحرب المخدرات
ترجع جذور ما يعرف بـ”إمبريالية حرب المخدرات” إلى سبعينيات القرن الماضي، عندما دشّن الرئيس ريتشارد نيكسون تلك الحملة بوصفها حربًا وطنية على تجارة وتعاطي المخدرات. غير أنّها سرعان ما تحولت في عهد رونالد ريغان إلى أداة للهيمنة الخارجية.
ومنذ ذلك الحين، استخدمت الإدارات الأميركية المتعاقبة هذه الحرب ذريعة للتدخل المباشر في شؤون دول المنطقة، كما حدث في بنما عام 1989، حين أطاحت القوات الأميركية بالزعيم مانويل نورييغا بحجة تورطه في تجارة المخدرات.
لم يكن الهدف حينها مكافحة التهريب بقدر ما كان تأمين السيطرة على قناة بنما الحيوية للتجارة العالمية. هذا النموذج تكرر في كولومبيا والمكسيك خلال العقود التالية، حين أطلقت واشنطن برامج دعم عسكري تحت غطاء “مكافحة الكارتلات”،
مثل خطة كولومبيا عام 2000 ومبادرة ميريدا عام 2007. وبرغم المليارات التي أُنفقت، تضاعفت معدلات العنف والتهريب، إذ قدّرت لجنة الحقيقة الكولومبية أن أكثر من 450 ألف شخص قُتلوا بين عامي 1985 و2018، معظمهم من المدنيين.
ترامب وإعادة إنتاج الحرب الإمبريالية
ورثت إدارة ترامب هذا الإرث الدموي، لكنها صعدته إلى مستوى غير مسبوق. ففي يومه الأول بالبيت الأبيض، أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا يصنف عصابات المخدرات كـ”منظمات إرهابية”، معلنًا حالة طوارئ وطنية، الأمر الذي أتاح للجيش تنفيذ عمليات هجومية خارج حدود البلاد دون العودة إلى الكونغرس.
وفي يوليو 2025، كشفت تقارير عن إصدار ترامب أوامر سرية للبنتاغون لشنّ هجمات بطائرات مسيّرة ضد ما وصفه بـ”أهداف تهريبية” في البحر الكاريبي. أحد هذه الهجمات استهدف زورقًا فنزويليًا، ما أسفر عن مقتل 11 شخصًا، في واقعة أثارت جدلاً واسعًا حول شرعية العملية ومصداقية الرواية الأميركية.
وسرعان ما تعمّقت الشكوك بعد تناقض تصريحات ترامب مع السيناتور ماركو روبيو، الذي قال إنّ الزورق كان متجهاً إلى ترينيداد بينما زعم ترامب أنّه كان في طريقه إلى الأراضي الأميركية. ولم تمضِ أيام حتى أعلن الرئيس تنفيذ ضربة جديدة في الكاريبي أودت بحياة ثلاثة أشخاص، معلنًا على وسائل التواصل الاجتماعي: «احذروا، نحن نطاردكم».
النفط والفوضى.. الوجه الحقيقي للحرب
لم تكن فنزويلا بعيدة عن هذا التصعيد. فمنذ عام 2017، أبدى ترامب اهتمامًا خاصًا بالبلاد لما تمتلكه من أكبر احتياطي نفطي معروف في العالم. ونُقل عنه قوله: «تلك هي الدولة التي ينبغي أن نحاربها، فكل هذا النفط عندهم، وهم على مقربة منا».
وبالفعل، حاولت واشنطن عام 2019 الإطاحة بالرئيس نيكولاس مادورو، في محاولة فاشلة مدعومة من المعارضة المحلية، تزامنت مع تصريحات لمسؤولين أميركيين ألمحوا فيها إلى أن تغيير النظام سيتيح للشركات الأميركية السيطرة على الثروات النفطية الفنزويلية.
المبعوث الأميركي الخاص لفنزويلا إليوت أبرامز، صرّح أمام الكونغرس حينها بأنّ البلاد تملك “أكبر مورد نفطي في العالم” وأنّ “الاستثمار الأميركي سيكون الضامن لإعادة تشغيل الاقتصاد الفنزويلي”.
ولم يكن وزير الدفاع جيمس ماتيس أقل وضوحًا، إذ قال في 2018 إنّ “قادة فنزويلا يجلسون على احتياطات هائلة من النفط”، ما يعكس رؤية الإدارة التي تعتبر الموارد الطبيعية ميدانًا للمنافسة الجيوسياسية قبل أي شيء آخر.
الحرب غطاء للهيمنة الاقتصادية
في جوهرها، كانت حملة ترامب ضد المخدرات أداة لإعادة توجيه السياسة الأميركية في القارة نحو تحقيق أهداف اقتصادية. فقد أكد ماركو روبيو، في أكثر من مناسبة، أن “تحقيق الأمن هو شرط أساسي لجذب الاستثمارات الأجنبية”،
مشيرًا إلى أنّ برامج التعاون الأمني والعسكري مع الإكوادور ودول أخرى تمهد الطريق لاتفاقيات تجارية وقواعد عسكرية أميركية جديدة.
ومن الواضح أن الإدارة كانت تستخدم ملف المخدرات لتبرير وجود عسكري دائم في دول غنية بالموارد وتتمتع بموقع جيوسياسي استراتيجي، في ظلّ التنافس المتزايد مع الصين وروسيا على النفوذ الاقتصادي في القارة.
حرب بلا نهاية ونتائج كارثية
ورغم مرور أكثر من نصف قرن على إطلاق “الحرب على المخدرات”، لم تحقق الولايات المتحدة أي تراجع فعلي في تدفق المواد المخدّرة إلى أراضيها.
ففي عام 2020، خلص تقرير صادر عن لجنة تابعة للكونغرس الأميركي إلى أنّ «المخدرات ما زالت تتدفق، والأميركيون واللاتينيون ما زالوا يموتون. هناك شيء لا يعمل كما يجب»، على حد تعبير الباحثة شانون أونيل التي ترأست اللجنة.
لكن بدلًا من مراجعة السياسات الفاشلة، أعادت إدارة ترامب تدويرها تحت شعارات جديدة، لتصبح الحرب على المخدرات غطاءً لإعادة إنتاج النفوذ الأميركي في منطقة تعتبرها واشنطن حديقتها الخلفية منذ عقيدة مونرو في القرن التاسع عشر.
أخيرا
تُظهر الوقائع أن “إمبريالية حرب المخدرات” ليست سوى استمرار للسياسات التي تستخدم الأمن ذريعةً للتوسع والسيطرة الاقتصادية. فبينما تبرّر واشنطن تدخلاتها بحماية العالم من السموم، تسعى عمليًا إلى تأمين الموارد والأسواق وإعادة هندسة التوازنات الجيوسياسية في أمريكا اللاتينية لصالحها.
إنها حرب بلا نصرٍ واضح، لكنها أيضًا بلا نهاية، تُدار بأسماءٍ مختلفة وذرائع متغيّرة، فيما يبقى الهدف واحدًا: ترسيخ الهيمنة الأميركية على مقدّرات القارة اللاتينية.


