اتسعت موجة الهجمات بالطائرات المسيّرة في السودان، مع سقوط عشرات القتلى في ضربات استهدفت مناطق مدنية وعسكرية، في تصعيد جديد يعكس انتقال جانب متزايد من المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى جبهات بعيدة عن خطوط الاشتباك المباشر.
وكانت الضربة الأكثر دموية في مدينة الدبب بولاية غرب كردفان، مساء الأحد، إذ أسفر هجوم بطائرة مسيّرة على تجمع للمواصلات قرب سوق عن مقتل 80 شخصًا على الأقل، وفق إفادات مصدر طبي وشاهد عيان لوكالة الصحافة الفرنسية. وتزامنت الواقعة مع تقارير عن هجمات أخرى في الخرطوم ودارفور ومنطقة أبيي المتنازع عليها، وسط تبادل الاتهامات بين أطراف الحرب بشأن استهداف المدنيين. <text color=”secondary” size=”sm”>[وكالة الصحافة الفرنسية، والغارديان، 19 أكتوبر 2026]</text>
80 قتيلًا في الدبب.. وموقف المواصلات يتحول إلى ساحة قصف
قال أحمد أبكر وادي، أحد سكان المنطقة، إنه ساعد في دفن 50 قتيلًا في موقع الهجوم، بينهم شقيقه، موضحًا أن الطائرة المسيّرة قصفت تجمعًا يستخدمه السكان لاستقلال وسائل النقل والعودة إلى قراهم بعد انتهاء يوم السوق.
وأضاف أن الضربة وقعت مرتين بفاصل زمني بلغ نحو 10 دقائق، فيما نُقل 47 مصابًا إلى مدينة المجلد القريبة، توفي 30 منهم متأثرين بإصاباتهم، بحسب مصدر طبي تحدث إلى وكالة الصحافة الفرنسية.
واتهم تحالف «تأسيس»، المرتبط سياسيًا بقوات الدعم السريع، الجيش السوداني بتنفيذ الهجوم، وقال إن الضربة استهدفت مدنيين، مطالبًا بإجراء تحقيقات بشأن الواقعة. ولم يتوافر تأكيد مستقل للجهة التي أطلقت المسيّرة.
وأفاد المصدر الطبي نفسه بوقوع ضربة منفصلة في مدينة المجلد أسفرت عن إصابة أربعة أشخاص، من دون توافر معلومات كافية عن طبيعة الهدف أو ملابسات الهجوم.
وتكتسب الواقعة خطورة إضافية بسبب استهداف تجمع للنقل يستخدمه السكان في تنقلاتهم اليومية، ما يثير مخاوف من اتساع دائرة الخطر على المدنيين في المناطق التي تسيطر عليها أطراف الحرب.
الخرطوم.. مقتل ثلاثة أطفال في هجوم بمسيّرة
وفي العاصمة الخرطوم، أعلنت مجموعة «محامو الطوارئ» الحقوقية مقتل ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم بين عامين وستة أعوام، إثر هجوم بطائرة مسيّرة في حي امتداد ناصر، شرقي مطار الخرطوم، يوم الاثنين.
ونقلت وكالة «أسوشيتد برس» عن أحد سكان المنطقة أنه شاهد مسيّرة تتجه نحو المطار، قبل سماع أصوات الدفاعات الجوية وانفجار بالقرب منه. ونسبت المجموعة الحقوقية الهجوم إلى قوات الدعم السريع، ولم يتسنَّ التحقق بصورة مستقلة من الجهة المسؤولة.
وتزامن ذلك مع إعلان الجيش السوداني اعتراض مسيّرات قرب مطار الخرطوم، في مؤشر على استمرار التهديدات الجوية في العاصمة، رغم استعادة الجيش السيطرة عليها في وقت سابق من الحرب.
دارفور وأبيي.. اتهامات متبادلة وحصائل غير محسومة
وفي مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، استهدفت ضربات جوية مواقع قالت القوات المسلحة السودانية إنها مراكز قيادة وسيطرة تابعة لقوات الدعم السريع، يوم الجمعة 16 أكتوبر.
في المقابل، اتهمت قوات الدعم السريع وتحالف «تأسيس» الجيش باستهداف سوق للماشية في المدينة، وقالا إن القصف أسفر عن مقتل 30 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال. ولم تتوافر حصيلة مستقلة تحسم الخلاف بشأن عدد الضحايا المدنيين أو تفاصيل الأهداف التي أصيبت.
وفي منطقة أبيي المتنازع عليها بين السودان وجنوب السودان، تحدثت تقارير محلية يوم الاثنين عن هجوم بطائرات مسيّرة على سوق أمiet، أحد مراكز التجارة الرئيسية في المنطقة.
وأوردت وسائل إعلام محلية حصيلة بلغت 73 قتيلًا و19 مصابًا، نقلًا عن مسؤولين في إدارة أبيي. غير أن هذه الأرقام لم يتسنَّ التحقق منها بصورة مستقلة، ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها حصيلة منسوبة إلى السلطات المحلية، لا رقمًا نهائيًا مؤكدًا.
وتكشف هذه الوقائع، مع استمرار الهجمات في غرب كردفان ودارفور والعاصمة، عن اتساع النطاق الجغرافي للعمليات الجوية، وما يترتب عليه من مخاطر على الأسواق ومراكز النقل والتجمعات المدنية.
النيل الأزرق.. الجيش يعلن إحباط هجوم بري
وعلى جبهة أخرى، أعلن الجيش السوداني، الاثنين، إحباط هجوم شنته قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان ـ شمال، بقيادة جوزيف توكا، على منطقة البركة في محلية الكرمك بإقليم النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.
وقالت الفرقة الرابعة عشرة مشاة إن قواتها والقوات المساندة لها أوقعت خسائر في صفوف المهاجمين ودمرت آليات ومعدات، ما أجبرهم على التراجع. ولم تتوافر معلومات مستقلة تؤكد حجم الخسائر التي أعلنها الجيش، كما لم يرد تأكيد مقابل من الطرف الآخر بشأن تفاصيل الاشتباكات.
ويأتي تجدد القتال في النيل الأزرق بالتزامن مع التصعيد الجوي في مناطق أخرى، ما يعكس تعدد جبهات المواجهة بين الجيش وتحالف قوات الدعم السريع والحركة الشعبية ـ شمال.
المسيّرات توسع دائرة الخطر على المدنيين
لم تعد الطائرات المسيّرة في الحرب السودانية مقتصرة على استهداف المواقع العسكرية، إذ باتت الهجمات تطال أسواقًا ومراكز نقل ومناطق مأهولة، وفق الوقائع التي أُعلن عنها خلال الأيام الأخيرة.
وتُظهر الهجمات المتزامنة في الدبب والخرطوم ونيالا وأبيي حجم المخاطر التي يواجهها السكان، خصوصًا في المناطق التي تعاني ضعف الاتصالات وصعوبة الوصول إلى الخدمات الطبية، حيث قد تتأخر عمليات إسعاف المصابين وتحديد الحصيلة النهائية للضحايا.
وتتواصل الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ أبريل 2023، بعدما تحول الخلاف بين الطرفين إلى صراع مسلح واسع النطاق أدى إلى مقتل أعداد كبيرة من السودانيين ونزوح الملايين، فضلًا عن تدهور الأوضاع الغذائية والصحية واتساع الاحتياجات الإنسانية.
ومع استمرار استخدام المسيّرات وتعدد جبهات القتال، تتزايد المخاوف من ارتفاع الخسائر المدنية، في وقت لا تزال فيه الاتهامات المتبادلة بشأن المسؤولية عن عدد من الضربات تعوق الوصول إلى صورة مستقلة وكاملة لما يجري على الأرض.


