الأحد مايو 26, 2024
مقالات

أحمد سعد فتال يكتب: إنكم تضعونها في غير موضعها (3)

من النصوص القرآنية التي طالها الفهم الخاطئ قوله سبحانه وتعالى: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ عَلَیۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا یَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَیۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِیعࣰا فَیُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة ١٠٥]. حيث يظن بعض المسلمين أن الآية تدل على ضرورة صلاحهم الفردي دون أن يقوموا بواجب التبليغ، فيقولون: “ما دمنا مستقيمين فلا يتوجب علينا حمل الدعوة وقول كلمة الحق، فالواجب أن نهتم بأمر نفسنا فقط”.

وأول ما وقع هذا الفهم الخاطئ في عهد أبي بكر رضي الله عنه، فقد شكّ أناس بأن يكون مفاد الآية الترخيص في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحينذاك تقدّم الصديق لتبيان المعنى الصحيح للآية، فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه، وقال: “يا أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب)” أبو داود والترمذي.

ولقد جاءت عدة تفسيرات للآية في كلام الصحابة والتابعين، منها أن العبد إذا عمل بطاعة الله، لم يضره من ضل بعده وهلك، ومنها أنه لا يضركم من حاد عن قصد السبيل وكفر بالله من أهل الكتاب، ومنها أنه إذا أمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر فلم يُقبل منكم.

وعقّب شيخ المفسرين، الإمام الطبري، على هذه الشروح بالقول: “وأولى هذه الأقوال وأصح التأويلات عندنا بتأويل هذه الآية، ما روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه فيها، وهو: “يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم”، الزموا العمل بطاعة الله وبما أمركم به، وانتهوا عما نهاكم الله عنه “لا يضركم من ضل إذا اهتديتم”، يقول: فإنه لا يضركم ضلال من ضل إذا أنتم لزمتم العمل بطاعة الله، وأدّيتم فيمن ضل من الناس ما ألزمكم الله به فيه، من فَرْض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يركبه أو يحاول ركوبه، والأخذ على يديه إذا رام (أراد) ظلماً لمسلم أو معاهد ومنعه منه فأبى النزوع عن ذلك، ولا ضير عليكم في تماديه في غيِّه وضلاله، إذا أنتم اهتديتم وأديتم حق الله تعالى ذكره فيه”.

وقال الإمام الزَّجّاج: “ومَعْنى الآيَةِ: إنَّما ألْزَمَكُمُ اللَّهُ أمْرَ أنْفُسِكم، ولا يُؤاخِذُكم بِذُنُوبِ غَيْرِكم، وهَذِهِ الآيَةُ لا تُوجِبُ تَرْكَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ، لِأنَّ المُؤْمِنَ إذا تَرَكَهُ وهو مُسْتَطِيعٌ لَهُ، فَهو ضالٌّ، ولَيْسَ بِمُهْتَدٍ”.

وأكد العلّامة الطاهر بن عاشور: “فَلا يُتَوَهَّمُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّها رُخْصَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ في تَرْكِ الدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ والأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ واجِبٌ بِأدِلَّةٍ طَفَحَتْ بِها الشَّرِيعَةُ.

ويشير في ذاك الطاهر بن عاشور إلى ما رواه الترمذي عن حذيفة رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: “والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بالْمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّه أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَابًا مِنْهُ، ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ”.

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبيِّ ﷺ قَالَ: “أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ عَدْلٍ عندَ سُلْطَانٍ جائِرٍ” رواه أبو داود والترمذي.

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم ما أمر الله تعالى به، وهو من أسباب خيرية هذه الأمة على غيرها من الأمم ﴿كُنتُمۡ خَیۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ﴾، وتركه والتخلي عنه من أسباب العقاب العام، ولقد عدّ بعض العلماء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الركن السادس من أركان الإسلام.

وإننا إذ نتحدث عن هذه الفريضة العظيمة يجب أن نذكّر بأن أعظم معروف يجب الأمر به بعد الإيمان بالله هو الحكم بما أنزل الله، كما أن أعظم منكر يجب النهي عنه هو حكم العلمانية. فليحرص كل مسلم على القيام بهذا الواجب، فإن فيه علوّ الأمة وصلاح المجتمعات واستقامة النفوس.

منتدى قضايا الثورة

Please follow and like us:
أحمد سعد فتال
ناشط سياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

قناة جريدة الأمة على يوتيوب