في غمرة التحولات الجيوسياسية العاصفة، لم تعد المعارك مجرد أرقام تُحصى أو خرائط تُعاد هندستها، بل أضحت مأساة إنسانية تسحق أرواح الأبرياء.
صرخة يأس تنطلق من طفل فلسطيني يُسلب حقه في الحياة وهو يلعب أمام منزله، وتتردد أصداؤها في عيون نصف مليون سوداني يواجهون الموت عطشاً وجوعاً تحت دوي المدافع.
وتستقر الصرخة أخيراً كغيمة من الخوف تظلل موانئ الخليج التي أدركت أن ناطحات سحابها وثرواتها لن تشتري أمناً في عالم بات فيه مجرد العيش بسلام فيه حُلماً عزيز المنال.
إنها مأساة الشرق الذي تتقاذفه أمواج الطموحات العسكرية، تاركةً وراءها مستقبلاً ضبابياً مثقلاً بأنقاض الأحلام والدموع.
جرح فلسطين
ترصد الصحافة السويسرية واقعاً مأساوياً في الضفة الغربية والداخل، حيث يتقاطع العنف المنظم مع صراع وجودي يطال الأرض والهوية.
وتحت عنوان “رخصة للقتل”، تسلط الأضواء على استهداف الأطفال الفلسطينيين برصاص القوات الإسرائيلية، متمثلاً في قصة طفل يدعى محمد (9 أعوام) الذي اغتالت الرصاصات طفولته أثناء لعبه، ليموت في المستشفى ضحية لمنظومة تكرّس الإفلات من العقاب.
وتؤكد تقارير حقوقية أن الضحايا لم يشكلوا أي خطر، في وقت يتكامل فيه هذا القتل مع عنف المستوطنين ومصادرة الأراضي.
نزعات التطرف
وفي سياق متصل، ينقل تقرير ميداني من مدينة اللد المختلطة مخاوف السكان العرب من خطط هدم الأحياء وإعادة بنائها، والتي تُقصي وجودهم عمداً بخلوها من المدارس أو المساجد.
في المقابل تتصاعد نزعات التطرف القومي الديني لحركة “غارين توراني”، حيث يقر أعضاؤها علانية بحلمهم في العيش بـ”مدينة بلا عرب” لمنعها من أن تصبح إسلامية.
السودان.. الأبيض الحزينة
تواجه مدينة الأبيض (عاصمة ولاية شمال كردفان) فصلاً جديداً من فصول الحرب السودانية الدامية؛ حيث تعيش المدينة حصاراً جزئياً من قوات الدعم السريع وهجمات متواصلة بالمسيّرات.
ويعيش نحو نصف مليون مواطن، إلى جانب آلاف النازحين، مأساة حقيقية جراء انقطاع المياه والكهرباء والارتفاع الجنوني للأسعار.
وتحذر بعثة تقصي الحقائق الأممية من تكرار “المجازر” والجرائم التي شهدتها مدينة الفاشر أواخر عام 2025 والتي راح ضحيتها أكثر من 6 آلاف مدني في ثلاثة أيام فقط.
حدود الميدان
وتتجاوز المأساة حدود الميدان لتكشف عن مفارقة مخجلة في جنيف؛ إذ تتردد الدبلوماسية الدولية في تسمية الجهات الخارجية المتهمة بتغذية النزاع ودعم قوات الدعم السريع عسكرياً ومالياً، وتحديداً دولة الإمارات.
وتصف منظمات حقوقية مثل “هيومن رايتس ووتش” هذا الموقف بـ”المخجل”، معتبرة أن العواصم الغربية تُقدم مصالحها وعلاقاتها التجارية والأمنية في الخليج على دماء وحقوق الإنسان السوداني.
اقتصاد في فخ الابتزاز
طالت شظايا التصعيد الجيوسياسي دول الخليج التي طالما بنت نموذجها الاقتصادي على الاستقرار، لتكتشف فجأة أن “السلام” أصبح المورد الأكثر ندرة في المنطقة.
استراتيجية محسوبة
وتكشف الهجمات الإيرانية بالصواريخ والمسيرات على الكويت والبحرين عن إستراتيجية محسوبة للتصعيد عبر استهداف الدول الصغيرة لتجنب مواجهة شاملة.
وقد تجسد هذا الابتزاز الاقتصادي بشكل قاصٍ عندما تسبب إغلاق مضيق هرمز في شلل كامل لصادرات النفط الكويتية طوال شهر كامل.
استمرار الخوف
ورغم اتجاه الإمارات لتعزيز دفاعاتها الجوية عبر شراء تقنيات إسرائيلية لحماية مراكزها الاقتصادية كدبي، واستمرار قطر وعُمان في جهود الوساطة، يبقى القلق قائماً.
وتحاول دول المنطقة جاهدة البحث عن بدائل للمضيق عبر التخطيط لموانئ على الساحل الشرقي للإمارات ومد خطوط أنابيب سعودية نحو البحر الأحمر، إلا أن هذه الحلول تظل مهددة بنفوذ حلفاء إيران في اليمن عند مضيق باب المندب.
القوعد اهداف عسكرية
وتخلص القراءة إلى أن القواعد الأمريكية بالمنطقة، رغم توفيرها الحماية الجزئية، تحولت إلى أهداف عسكرية محتملة، مما يجعل الأولوية الخليجية القصوى ليست تحقيق نصر عسكري، بل استعادة الاستقرار بأي ثمن.
في نهاية المطاف، يرسم هذا المشهد العربي والإقليمي لوحة قاتمة لواقع ينهشه الرعب وتتقاسمه أطماع القوة ونفوذ المال؛ فبين طفل يُسلب حقه في الحلم واللعب في أزقة غزة والضفة، وعائلات سودانية تفر من الموت لتجد نفسها محاصرة بالجوع والعطش تحت وطأة حرب منسية، ومدن خليجية تدرك أن قلاعها الاقتصادية باتت رهينة لصواريخ ومسيرات عابرة للحدود، تتبدد كل أوهام الاستقرار.
مآسى ممتدة
إنها مأساة إنسانية ممتدة، لا تقاس خسائرها ببراميل النفط المفقودة أو خطوط الملاحة المحاصرة، بل بدموع الأمهات، والأرواح التي تزهق في عتمة الصمت الدولي.
وفي هذا الشرق المثقل بالأنقاض، يبدو المستقبل غامضاً وموحشاً خاصة على أرض الرصاص والغبار، كطريق طويل، يخلو من الأمان، وتضيع فيه ملامح الإنسانية تحت أقدام الحروب التي لا تنتهي.


