أثار الإعلان عن تشكيل ما وصف بـ«حكومة ليبية موحدة» من العاصمة السويسرية جنيف موجة واسعة من الجدل داخل الأوساط السياسية الليبية، بعدما أعلن مشاركون في ما سُمي بـ«ملتقى الحوار السياسي» اختيار مصطفى المجدوب رئيسًا للحكومة الجديدة، في خطوة جاءت خارج الأطر الدستورية والمسارات السياسية المعترف بها.
وجاء الإعلان في توقيت يشهد فيه الملف الليبي حراكًا دوليًا مكثفًا تقوده بعثة الأمم المتحدة، إلى جانب تحركات إقليمية ودولية ومبادرات أمريكية تستهدف توحيد السلطة التنفيذية وإنهاء حالة الانقسام السياسي والمؤسسي التي تعيشها البلاد منذ سنوات.
ورأى عدد من المحللين والسياسيين الليبيين أن المبادرة الجديدة تفتقر إلى أي أساس قانوني أو سياسي يمنحها الشرعية، مؤكدين أنها لن تتمكن من التحول إلى واقع عملي في ظل استمرار وجود حكومتين تتقاسمان إدارة البلاد، وسيطرة كل منهما على مناطق نفوذها.
وقال الباحث الليبي في الدراسات الاستراتيجية والسياسية محمد امطيريد إن توقيت الإعلان يثير العديد من علامات الاستفهام، مشيرًا إلى أنه قد يكون محاولة لخلق توازنات جديدة أو التأثير في المبادرات الدولية الجارية، خاصة مع تصاعد الجهود الأمريكية والأممية الرامية إلى توحيد المؤسسات الليبية.
وأضاف أن خلفيات هذه الخطوة لا تزال غير واضحة، إلا أن غياب أي سند قانوني لها يستوجب، بحسب رأيه، مواقف رسمية وإجراءات قانونية ودبلوماسية، مؤكدًا أن ظهور حكومة ثالثة قد يبعث برسائل سلبية إلى المجتمع الدولي بشأن استمرار الانقسام السياسي داخل ليبيا.
وأشار امطيريد إلى أن اختيار جنيف لإعلان المبادرة لم يكن مصادفة، لافتًا إلى أن المدينة تُعد منصة دولية للحوارات السياسية، ما يمنح الإعلان بعدًا رمزيًا ورسائل موجهة إلى الأطراف الدولية المعنية بالملف الليبي.
من جانبه، اعتبر عضو المجلس الأعلى للدولة الليبي أحمد أهمومة أن الحكومة المعلنة لا تمتلك أي شرعية سياسية أو قانونية، مؤكدًا أن المجموعة التي أعلنت تشكيلها لا تمثل الليبيين، ومن ثم فإن فرص نجاحها تكاد تكون معدومة.
وأوضح أن المشهد الليبي تحكمه تفاهمات إقليمية ودولية، إلى جانب دور الأمم المتحدة والدول المؤثرة، وهو ما يجعل أي مبادرة سياسية خارج هذه الأطر غير قابلة للتنفيذ، متسائلًا عن الكيفية التي ستباشر بها الحكومة الجديدة مهامها في ظل سيطرة حكومة الوحدة الوطنية على غرب البلاد، والحكومة المكلفة من مجلس النواب على مناطق الشرق والجنوب.
كما استبعد أهمومة أن تؤثر هذه الخطوة في المبادرات السياسية المطروحة حاليًا، سواء المبادرة الثلاثية أو المبادرات المدعومة من الأمم المتحدة وشركائها الدوليين.
بدوره، وصف الكاتب والباحث الليبي إدريس احميد الإعلان عن حكومة ثالثة بأنه محاولة لإرباك المشهد السياسي وتشويش الجهود الرامية إلى إنهاء الأزمة، معتبرًا أن مثل هذه التحركات تعكس رغبة بعض الأطراف في البقاء داخل المشهد السياسي أكثر من سعيها لإيجاد حلول حقيقية.
وأضاف أن المبادرة قوبلت بحالة من السخرية في الشارع الليبي، خاصة مع غياب أي قاعدة شعبية أو سياسية للقائمين عليها، مشيرًا إلى أن الأمم المتحدة أكدت عدم ارتباطها بهذا الحراك، الأمر الذي يقلل من فرص تأثيره على مسار التسوية.
ويرى مراقبون أن الإعلان عن حكومة جديدة في هذا التوقيت يفتح الباب أمام مزيد من التساؤلات بشأن أهدافه والجهات الداعمة له، في وقت يواصل فيه المجتمع الدولي جهوده للتوصل إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الانقسام وتوحد مؤسسات الدولة الليبية، وسط تأكيدات بأن أي مبادرة خارج الأطر المعترف بها ستظل محدودة التأثير على مسار الحل السياسي.







