قفز معدل التضخم السنوي في السودان إلى 51.28% خلال يونيو 2026، مقابل 44.50% في مايو، في أحدث قراءة رسمية لمؤشر أسعار المستهلك، وسط موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتراجع قيمة الجنيه السوداني، بما يزيد الضغوط على الأسر التي أنهكتها تداعيات الحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
وأظهرت بيانات الجهاز المركزي للإحصاء السوداني أن التضخم ارتفع بنحو 6.78 نقطة مئوية خلال شهر واحد، بعد أن كان قد سجل 45.84% في أبريل، ما يعكس عودة الضغوط التضخمية بقوة إلى الاقتصاد السوداني بعد التراجع المحدود الذي شهدته الأسعار في مايو.
وسجلت مجموعة الأغذية والمشروبات ارتفاعًا شهريًا في الأسعار بنسبة 8.39% خلال يونيو، لتظل المحرك الأبرز للتضخم، خاصة أن الغذاء والمشروبات تمثل نحو 52.89% من إنفاق الأسر السودانية وفق منهجية احتساب مؤشر أسعار المستهلك.
تراجع الجنيه يرفع تكلفة السلع
ويرتبط التصاعد الجديد في التضخم بصورة مباشرة بتدهور قيمة العملة المحلية أمام العملات الأجنبية، مع اقتراب سعر الدولار في السوق الموازية من 6 آلاف جنيه سوداني خلال يونيو، وهو ما انعكس سريعًا على أسعار السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج والنقل والخدمات.
وتعاني الأسواق السودانية منذ اندلاع الحرب من اضطرابات حادة في سلاسل الإمداد، وتعطل أجزاء من النشاط التجاري والزراعي، وارتفاع تكاليف النقل والوقود، فضلًا عن تراجع مصادر الدخل وفرص العمل، وهي عوامل تغذي ارتفاع الأسعار وتقلص القدرة الشرائية للأسر.
وتشير أحدث بيانات التضخم إلى أن التضخم الحضري بلغ 51.81% على أساس سنوي في يونيو، مقابل 51.06% في المناطق الريفية، بما يعكس اتساع موجة غلاء المعيشة على مستوى مختلف مناطق البلاد.
الحرب تضرب الإنتاج والأسواق
ولا يأتي ارتفاع التضخم بمعزل عن تداعيات الحرب التي ألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية والتجارة والزراعة وسبل كسب العيش، وأدت إلى نزوح ملايين السكان وتعطيل العديد من الأنشطة الاقتصادية.
وتشير بيانات الأمم المتحدة ووكالات الغذاء الدولية إلى أن الحرب ما زالت المحرك الرئيسي للأزمة الغذائية، إلى جانب الصدمات الاقتصادية والظروف المناخية ونقص التمويل الإنساني. وحذرت منظمة الأغذية والزراعة «فاو» وبرنامج الأغذية العالمي من أن السودان يظل من بين أخطر بؤر الجوع في العالم خلال النصف الثاني من 2026.
وبحسب أحدث تقديرات «فاو» و«WFP»، واجه نحو 19.5 مليون سوداني، أي 41% من السكان، مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي بين فبراير ومايو 2026، بينهم نحو 5 ملايين شخص في مرحلة الطوارئ، فيما تتوقع المنظمتان ارتفاع عدد الأشخاص في مرحلة «الكارثة» إلى نحو 200 ألف شخص خلال الفترة من يونيو إلى سبتمبر.
أسعار الغذاء تحت ضغط مزدوج
وتزامن تصاعد التضخم مع أزمة أخرى تضرب الموسم الزراعي في السودان، حيث يواجه المزارعون ارتفاعًا في أسعار الوقود والأسمدة والبذور، إلى جانب اضطراب الأمطار في بعض المناطق الزراعية الرئيسية.
وكانت بيانات وتقارير دولية قد حذرت من أن ارتفاع تكاليف المدخلات الزراعية واضطراب سلاسل الإمداد قد يدفع المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة، الأمر الذي يهدد بزيادة تكلفة إنتاج الغذاء وتقليص المعروض المحلي في وقت تعاني فيه الأسواق أصلًا من ارتفاع الأسعار.
وتشير إفادات ميدانية من ولايات زراعية، بينها القضارف وسهل البطانة، إلى صعوبات في بدء عمليات الزراعة في بعض المناطق بسبب تأخر الأمطار، وهو ما يزيد المخاطر على الإنتاج المحلي ويجعل أسعار السلع الغذائية أكثر حساسية لأي تراجع في المحاصيل.
توقعات التضخم.. ضغوط مستمرة خلال 2026
وتبدو الضغوط التضخمية مرشحة للاستمرار خلال العام الحالي، في ظل استمرار الحرب وتداعياتها على سعر الصرف والإنتاج والنقل والتجارة.
ويقدر صندوق النقد الدولي معدل تغير أسعار المستهلك في السودان بمتوسط 75.1% خلال عام 2026، وهي نسبة أعلى من القراءة السنوية المسجلة في يونيو، ما يعكس توقع استمرار موجة ارتفاع الأسعار على مدار العام إذا لم تتحسن الظروف الاقتصادية والأمنية.
ويمثل هذا المسار ضغطًا متزايدًا على القوة الشرائية للسودانيين، خصوصًا مع تراجع الدخول وفقدان ملايين الأسر مصادر رزقها بسبب النزاع، في وقت تستحوذ فيه الأغذية على أكثر من نصف إنفاق الأسرة.
الاقتصاد السوداني أمام أزمة مركبة
وتكشف أحدث أرقام التضخم أن الاقتصاد السوداني يواجه أزمة مركبة تتداخل فيها الحرب، وتراجع سعر العملة، وتعطل الإنتاج، وارتفاع تكاليف النقل والمدخلات، واضطراب الأسواق، وتراجع الدخول.
ومع استمرار هذه العوامل، فإن ارتفاع الأسعار لا يمثل مجرد مشكلة نقدية مؤقتة، وإنما يتحول إلى عامل مباشر في تعميق الفقر وانعدام الأمن الغذائي، خصوصًا في الولايات التي تعاني أصلًا من النزوح والصراع وضعف النشاط الاقتصادي.
وفي ظل هذه التطورات، يصبح استقرار سعر الصرف وإعادة تشغيل سلاسل الإنتاج والتجارة، إلى جانب دعم الزراعة وتوفير الغذاء والمساعدات الإنسانية، من أبرز الشروط اللازمة لاحتواء التضخم والحد من تدهور القوة الشرائية خلال بقية عام 2026.


